التربية وصناعة الإنسان الجديد كيف تُربَح معركةُ النهضة؟

حين كان أنطون سعاده يتحدّث عن التربية، لم يكن يتحدّث عن المدارس والامتحانات والشهادات بالمعنى الضيّق للكلمة، بل عن قضيةٍ أكبر بكثير: قضيةِ تكوين الإنسان الذي تستطيع الأمة أن تبني عليه مستقبلها.

فالأمم لا تنهض بكثرة الأبنية والمدارس إذا بقيت النفوس على حالها، ولا تُنقَذ بمجرّد تغيير الأنظمة والقوانين إذا ظلّ الإنسان أسيرَ الخوف، والتردّد والأنانية والتقليد. ولذلك رأى سعاده أنّ معركة النهضة تبدأ من تربية الإنسان، لأنّ كل إصلاحٍ حقيقي يبدأ من إصلاح النفس والعقل والمناقب.

من هنا كانت التربية، في نظره، جزءاً من معركة المصير القومي، لا مجرّد خدمةٍ اجتماعية أو عمليةٍ تعليمية.

التربية ليست تلقيناً، بل بناءَ شخصية

انتقد سعاده النظرة التقليدية إلى التعليم التي تختزله في حشو الأذهان بالمعلومات أو إعداد التلامذة للنجاح في الامتحانات. فالمعرفة وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بالوعي الصحيح وبالشخصية السليمة. ولهذا قال: «وقصد الثقافة أو التربية هو دائماً تقويم الاعوجاج وتوجيه قوى الحياة نحو الأفضل.»

فالتربية الحقيقية لا تقتصر على تعليم الإنسان كيف يقرأ ويكتب، بل تعلّمه كيف يفكّر، وكيف يحكم على الأمور، وكيف يميّز بين الحق والباطل، وبين الجميل والقبيح، وبين ما يخدم مجتمعه وما يضرّه.

وكان يرى أنّ الأمة التي تُهمل هذا الجانب تُخرّج متعلّمين كثيرين، ولكنها لا تُخرّج رجالاً ونساءً قادرين على حمل مسؤوليات الحياة.

معركة التربية هي معركة العقيدة والوعي

في محاضرته الشهيرة إلى مؤتمر المدرسين سنة 1948، وضع سعاده التربية في قلب الصراع القومي. فهو رأى أنّ المعركة الحقيقية ليست فقط في السياسة أو الاقتصاد، بل في تكوين النفوس والأفكار. قال: «إنّ القضية الأولى التي تواجه العقيدة القومية الاجتماعية هي قضية التربية والتثقيف.»

ثم أوضح أنّ صلب المعركة ليس مع الذين اكتمل تكوينهم النفسي والفكري، بل مع الناشئة التي لا تزال شخصيتها تتكوّن. ولهذا اعتبر أنّ البيت والمدرسة هما الميدان الأول الذي يُحسم فيه مستقبل الأمة.

فالطفل الذي يُربّى على الثقة بالنفس والشعور بالواجب والإخلاص للحق ينمو مواطناً صالحاً، أمّا الذي يُربّى على الخوف والتعصّب والاتكال فإنّه يحمل هذه الأمراض معه إلى الحياة العامة.

المعلّم: جندي خط الهجوم الأول

من أجمل ما كتبه سعاده عن التربية وصفُه للمعلّم. فهو لم يعتبره موظفاً يؤدّي عملاً روتينياً، بل صاحب رسالةٍ خطيرة تتصل بمستقبل الأمة كلّه. يقول في مؤتمر المدرسين:

«إنه جندي خط الهجوم الأول الذي عليه أن يدخل صلب المعركة ويحارب لإنقاذ نفوس الأحداث من العقائد الغريبة أو المتأخرة وإدخال العقيدة القومية الاجتماعية المحررة البانية إليها.»

هذا التعبير يكشف مكانة المعلّم في فكر سعاده. فالمعلّم ليس ناقلاً للمعلومات فقط، بل مربٍّ للعقول والنفوس. وهو مسؤول عن غرس القيم التي يحتاجها المجتمع للنهوض: الصدق، والشجاعة، والاستقامة، والاعتماد على النفس، واحترام الحقيقة، ومقاومة الباطل. ولذلك شدّد سعاده على أنّ المعلّم لا يستطيع أن يزرع هذه القيم إذا لم يكن هو نفسه قدوةً حيّةً لها.

التربية والأخلاق الجديدة

لعلّ أهم ما يميّز نظرة سعاده إلى التربية أنّها ترتبط مباشرةً بمشروعه لإيجاد «العقلية الأخلاقية الجديدة». فهو كان يرى أنّ أزمة الأمة ليست أزمة معرفة فقط، بل أزمة مناقب وأخلاق أيضاً. ولهذا حارب ما اعتبره من مثالب الانحطاط: الكذب، والنفاق، والرياء، والانتهازية، والخوف، واللامبالاة، والتعصّب، والأنانية.

وفي المقابل دعا إلى أخلاقٍ جديدة تقوم على الإخلاص، والصدق، والشجاعة، وتحمّل المسؤولية، وفعل الواجب، والتضحية في سبيل الخير العام. وكان يؤكّد أنّ النهضة لا يمكن أن تقوم من دون هذه الأخلاق، لأنّ الخطط مهما كانت جيدة تبقى عاجزة إذا لم يحملها رجال ونساء يملكون الإرادة والمناقب اللازمة لتحقيقها. ولهذا قال في المحاضرة العاشرة: «كل خطة سياسية وكل خطة حربية مهما كانت بديعة ومهما كانت كاملة لا يمكن تحقيقها إلا بأخلاق قادرة على حمل تلك الخطة.»

من المدرسة إلى المجتمع

لم يكن سعاده يريد تربيةً تنتهي عند أبواب المدرسة، بل تربيةً تمتد إلى المجتمع كلّه.

فالهدف ليس إنشاء تلميذٍ متفوّق فقط، بل إنشاء مواطن صالح، يشعر بمسؤوليته تجاه مجتمعه وأمته. ولهذا كان يربط دائماً بين التربية والعمل العام، وبين المعرفة والواجب.

فالمتعلّم الحقيقي، في نظره، ليس من يكدّس المعلومات، بل من يحوّل معرفته إلى قوة بناء وعطاء وخدمة. ومن هنا جاءت دعوته إلى أن تكون التربية وسيلةً لإعداد جيلٍ قادر على مواجهة تحديات الحياة، لا جيلاً يهرب منها.

التربية طريق النهضة

الجيل الجديد لا يولد جاهزاً، والطلبة لا يتحوّلون تلقائياً إلى قوة نهضوية. فلا بدّ من عملية بناء طويلة تصوغ العقول والوجدان والشخصية. ولهذا أعطى سعاده التربية كل هذه الأهمية.

لقد أدرك أنّ الأمة التي تريد مستقبلاً مختلفاً تحتاج أولاً إلى إنسان مختلف: إنسان يؤمن بالحقيقة، ويثق بنفسه، ويعرف واجبه، ويضع مصلحة مجتمعه فوق مصالحه الضيقة.

فالتربية، في النهاية، ليست مجرد إعداد للحياة، بل هي صناعةٌ للحياة نفسها.

ومن هنا تبقى رسالة سعاده التربوية شديدةَ الراهنية اليوم: فكل مشروع نهضوي يبدأ من الإنسان، وكل إنسان جديد يحتاج إلى تربية جديدة، وكل أمة تريد أن تربح معركة المستقبل عليها أولاً أن تربح معركة التربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *