سلاسل التكنولوجيا المكنظمة

والتكنولوجيا، هي استخدام منظومات «المعرفة» العلمية، من أجل إنتاج المهارات والأدوات «التكنولوجيات»، من أجل حلّ المشكلات التي تواجهها البشرية، في كل أنواع الاجتماعات البشرية، ما يؤدي على صناعة لغات موازية لتطبيقاتها العملية في الواقع، وكما هو شائع، تبدو الاجتماعات البشرية المنتجة للتكنولوجيا، هي الأرقى خصوصاً بعد تحويلها إلى تكنولوجيات (أدوات)، وذلك عبر معايير ومقاييس لم تعد خافية على الشخص العادي العضو في هذا النوع من الاجتماع البشري أو ذاك، فالقطار والسيارة والطائرة تطيل العمر، وذلك باحتساب الوقت اللازم للسفر الذي هو جزء من العمر، وعلى هذا المثال التبسيطي تتوضح المصالح والفوائد من هكذا تكنولوجيات مشخصة وملموسة، ولكن على هذا المكسب الحياتي، تترتب سلسلة من العمليات التكنولوجياتية ( أدوات)، مثل تكرير النفط، تعلم الصيانة والإصلاح، الطرق والمطارات والموانئ إلخ، والأهم من هذا كله إنتاج تكنولوجيات تنظيم المرور وقوانينه وأخلاقياته، وهي منتجات غير مشخصة، ولكنها ضرورية، لوجود (وليس لاكتمال فقط) تفعيل وجود أدوات النقل الآنفة، بأداء نافع وغير تخريبي، وهنا علينا ملاحظة أن التكنولوجيات، لا تأتي مفردة، بل كموجة تربوية متكاملة مفهومة وقابلة للتطور والارتقاء، فالتكنولوجيات المشخصة تحتاج بالضرورة إلى تكنولوجيات غير مشخصة كي تقوم بفعلها الإيجابي، وإلا تحولت إلى نار غير منضبطة تحرق الأخضر واليابس، وعليها تبنى مقولة (الانتقال من الفوضى إلى النظام) التحضرية، لأنها تستوجب على كل مستخدمي هذه التكنولوجية أو تلك، تنظيمها بتكنولوجيات إنتظامية تتشابك معها، وإلا تحولت غاية التكنولوجيا والتكنولوجيات إلى عكسها، وهذا ما حصل ويحصل في عالم شرق المتوسط غير المترامي، وهو الحال الذي وصل إليه من صعوبة إقرار القيم ناهيك عن ممارستها في الواقع، وهو ما يفتح الباب واسعاً، لتغيير النظرة للاستعمار، ناهيك عن امتداحه ( بالطبع الجميع يعرف مضار الاستعمار)، ولكن وفي المحصلة، هو من حقن التكنولوجيا في أوردة هذه «الجغرافية»، فمع تطبيقة للتكنولوجيات المحدثة آنئذ ( كهرباء، طرقات، تعليم، مكننة إلخ)، أرفق معها تطبيقات تكنولوجياتية غير مشخصة (مجتمع، برلمان، دولة، حكومة، أحزاب، نقابات، فصل سلطات، سيادة القانون إلخ)، هذه السلسلة التي لا يمكن فصلها، إلا بتقصد الفشل، هذا الفصل بالذات هو ما فتح الطريق، للهزائم، العسكرية وغير العسكرية، (وهذه سلسلة متوالية لا تتوقف) على الرغم من استخدام التكنولوجيات المشخصة (الماكينات، البنوك، المستشفيات، التعليم إلخ) لأنها تفتقد إلى النوعية القابلة للفهم والتطور، والنوعية ليست إعلان نوايا، أو تبشير بغايات يمكن للتكونولوجيات المشخصة أن تعد بإنتاجها، ولكنها لا تصل لغاية مرجوة، تم الإعلان عنها، ( الإعلان فقط) لأسباب «انتخابية» أو استفتائية تفيد في إنتاج الاستبداد الذي يلغي كل شرط يحيط بتشغيل التكنولوجيات والإنتفاع منها.

والمكنظمة: كلمة عصملية، يقصد منها الآلة، ولكنها لم تغفل أن وجودها الفيزيائي، أنه داخل منظومة، من التكنولوجيات غير المشخصة، المسماة نظاماً، الذي هو الآخر الفضاء الضروري التي تعمل فيه الآلة، وإلا لن تعمل، أو تعيث خراباً وخسائر وهزائم. يبدأ الموضوع من «المجتمع» هل له تعريف متشابك مع العصر التكنولوجي والتكنولوجياتي المعاصر؟ طبعاً هو جزء تأسيسي لما يليه من الفضاء المترافق لتفعيل التكنولوجيات المشخصة، فالمجتمع ( بتعريفه المتجدد دائما) هو تكنولوجيا وتكنولوجيات الاجتماع البشري، وكذلك الدولة والحكومة والبرلمانات والقضاء والأحزاب والنقابات، وكل ما يشكل السلوك البشري تجاه استخدام التكنولوجيات المحدثة النافعة، فالدولة هي تكنولوجية إدارة المجتمعات، والاستبداد (مهما كان صغيراً أو لطيفاً) هو تكنولوجية متخلفة تريد تشغيل تكنولوجيات أرقى منها، وعلى هذا المعيار تنوعت السلطات (المسماة بالمجاز دولة)، كلها أرادت إدارة «المجتمع» قبل أن يحدث، وادعت حدوثه كي تتناسب هي كتكنولوجية، مع تكنولوجية متخلفة مثلها، هي تكنولوجية ما قبل «المجتمع»، كسلاح دمار شامل ضد من يشكك بمؤهلاتها، أو صورتها (كدولة ذات سيادة)، ثم أتت الوقائع لتثبت بالثمن الباهظ أنها ليست دولة وليست ذات سيادة، طالما تكنولوجياتها لا تقودها نحو الإنتاج ( العراق مثالاً)، وهذا ما يستدعي حضور التخلف بالقيم والتأكيد على استمراره، وأولها الحريات الشخصية، وحريات التعبير والاعتقاد، والكرامة الإنسانية، والمساواة، وكلها تكنولوجيات الانطلاق نحو «مجتمع»، يحتاج إلى دولة لا إلى سلطة، تقولب متطلبات الاجتماع على قد المتطلبات الاستعمارية، أي الجهة التي تسمح لها بالبقاء، وتبيعها تكنولوجيات ليس لها مكان نافع أو ارتقائي في بيئة ما قبل «المجتمع».

هنا لا يبدو العطب مهاري فقط، أو وجداني تطوعي فقط، هنا يبدو العطب بنيوي، يحتاج إلى نقطة بداية !!!؟ وهي نقطة لغز، مختفية حتى عن أقرب المقربين من السلطة، مع أنها واضحة وضوح الشمس، من تكنولوجية خلاط الفواكه، إلى محرك الطائرة، وجهاز اللابتوب، كلها نريدها وهي ضرورية، ولكنها لا تأتي ولا تعمل، إلا ضمن سلاسل تكنولوجياتي تحضرية، مفهومة، ويمكن التفاهم معها، وإلا ستكون صدمة الحداثة مدمرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *