عزوف الشباب في لبنان عن الانخراط في الأحزاب

من المعروف أن الأحزاب في الدول الحديثة، أي الوطنية تلعب دوراً رئيسياً بالغ الأهمية في تقرير مصير الوطن ومساره وتطوّره، خاصة وأن الأحزاب تعبّر عن رأي شرائح الشعب المختلفة بحسب تنوع برامجها وأهدافها، والنظام الديمقراطي في أي دولة حديثة لا يستقيم دون وجود أحزاب ينخرط فيها شباب يعملون من أجل مصلحة الوطن، أي مصلحتهم هم في النهاية. فما هي أسباب فشل الأحزاب في استقطاب الشبان والشابات؟

لفشل الأحزاب أسباب عديدة ومتشعبة نستطيع أن ندرج بعضها تحت عنوانين رئيسيين: الأسباب الخارجية، وأسباب لها علاقة بتركيبة الأحزاب الداخلية.

لن أغوص في الأسباب الخارجية التي قد تتسبب بفشل الأحزاب والتي لها علاقة عضوية بالنظام الطائفي اللبناني، وبالنظام الاجتماعي والسياسي في لبنان، بل أود أن أشير إلى بعض الأسباب الداخلية التي نتج عنها خلل جوهري في تركيبة الأحزاب منعها من التقدّم والتطوّر، ما يؤدي إلى احجام الشباب من الانخراط في صفوفها.

أولاً، لقد نشأت غالبية الأحزاب اللبنانية في ثلاثينات القرن الماضي، أي أنها نشأت ولبنان محتلّ من قبل دولة أجنبية، وليس في حالة استقلال، فأتى نظام هذه الأحزاب متوافقاً مع تلك الحقبة التاريخية، من تكتم وسرية ومركزية متشددة بسبب منع المحتل وجود أحزاب، والزج في السجن كل من تسول له نفسه أن ينضم إلى حزب وطني. فوجود تسلسل مركزي ومتشدد كان شيئاً طبيعياً ومرغوباً في تلك الظروف، لكن ما يبدو غريباً هو عدم تعديل أنظمة هذه الأحزاب كي تستطيع مواكبة التطور الذي حصل منذ ذلك الوقت، وهذا من أهم الأسباب التي تبعد الشبان والشابات الذين لا يجدون مساحة من الحرية في هذه الأحزاب تسمح لهم بالتعبير عن آرائهم وتطلعاتهم، أو الانخراط في اتخاذ القرارات كل ضمن قدراته وكفاءاته.

ثانياً، ان الأحزاب جميعها، الطائفية منها والعلمانية، أسيرة تناقض عجيب بين ما تطالب به السلطة اللبنانية، وبين ما تمارسه ضمن هيكليتها الحزبية. فهذه الأحزاب لا تفتأ تطالب الحكومات المتعاقبة بالإفساح في المجال لممارسة الديمقراطية وحرية التعبير ضمن مجتمعها من جهة، ومن جهة أخرى تمنع من انتمى اليها من ممارسة هذا الحق!

فالأحزاب هي المدرسة التي يتمرن فيها المواطن/ة على ممارسة الديمقراطية، وهذا ما يتوقعه الشخص على الأقل حين ينخرط في حزب ما، وإذ به يجد أن لا موقع له سوى اتباع الأوامر والتقيد بالتعليمات، فلا يسمح له المشاركة الفعالة في صنع القرار، حتى لو كانت عنده الكفاءة، بل يُعامل كقاصر. ومن المؤسف أن نلاحظ أن القيّمين على الأحزاب يتعاملون مع أعضائهم بالطريقة الأبوية المتسلطة نفسها التي تتعامل بها السلطة مع مواطنيها! فإن لم تكن الأحزاب هي المدرسة التي تعلّم الفرد أن يصبح مواطناً فاعلاً يساهم في تقدّم ورقي مجتمعه، فأين يتعلّم شبابنا أصول الديمقراطية؟ فالديمقراطية ليست شعارات وخطابات، انها نظام جديد يصبو إلى اشراك الجميع، دون استثناء، في كل قرار يُتخذ ضمن المجتمع، والأحزاب هي الوسيلة الوحيدة حيث يتم تنظيم فئات المجتمع كي تتحول إلى كتلة متماسكة تستطيع أن تكون فاعلة في تقرير مصيرها.

ثالثاً، من أهم الأسباب التي أدّت وستظل تؤدي إلى انحسار الأحزاب في لبنان هو فقدانها للمصداقية. فمصداقية الأحزاب الوطنية قائمة على المدى الذي تلتزم به القيادة على مبادئها، وحين يبدو للمواطنين والمواطنات أن المسؤولين الحزبيين يستعملون المبادئ كوسيلة للوصول إلى وزارة أو نيابة، أو لأغراض خاصة، حينئذ تسقط مصداقية الحزب وينتفي معناه وأساس وجوده، خاصة حين يرى المواطنون أن قيادياً حزبياً يستميت للدخول في “جنة” السلطة بأي ثمن، حتى لو كان ذلك يتطلب التخلي عن مبادئه.

وهكذا تنغلق الدائرة في لبنان، فبدلاً من أن تكون الأحزاب، على اختلاف اتجاهاتها، ضامناً للمسيرة الديمقراطية الممثلة للشعب، تفقد هذه الأحزاب شرعيتها المبنية على الالتزام بمبادئها، وتقع فريسة الآفات نفسها التي تجاهر بأنها تريد إصلاحها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *