اليورانيوم هو نجم هذه المرحلة وما سبقها هو حديث الساعة وعلى لسان الحكومات الكبرى والصغرى. هو سبب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني على إيران بحجة التخصيب، متناسيان أن حول هذه المادة ارتكبت جرائم وسرقات وتهريب قامت بها «اسرائيل» لتأسيس وتغذية برنامجها النووي.
بطل هذه السرقات هو، كما تشير الوثائق السرية والتحقيقات الدولية، استخبارات العدو «الإسرائيلي» (الموساد) في الحصول على اليورانيوم بطرق غير شرعية أو عبر عمليات تمويه معقدة.
في منتصف الستينيات من القرن الماضي اختفت كمية من اليورانيوم ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، أنها كافية لصناعة عدد من القنابل مثل تلك التي ألقيت على هيروشيما اليابانية، وقالت إن شبهة سرقة «إسرائيل» لليورانيوم لاستخدامه في برنامجها النووي، ستظل من أخطر الأسرار التي شغلت اهتمام ما لا يقل عن ثلاثة رؤساء أميركيين ومعهم الكثير من كبار المسؤولين الحكوميين. ففي حوالي عام 1965 وفي منشأة «NUMEC» ببلدة أبولو، في ولاية بنسلفانيا الأميركية سجل اختفاء ما بين 90 إلى 200 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب الصالح لإنتاج الأسلحة النووية من المنشأة. كان يدير المصنع الفيزيائي «زالمان شابيرو»، الذي كانت تربطه علاقات وثيقة ب«إسرائيل». وكشفت وثائق لـ «وكالة المخابرات المركزية الأميركية» (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) والتي رفعت عنها السرية عن شكوك قوية بأن المواد المفقودة هُرّبت مباشرة إلى مفاعل ديمونا «الإسرائيلي». وفي آذار 1968 اشترى الموساد «الإسرائيلي» عبر شركة واجهة وهمية في إيطاليا 200 طن من كعكة اليورانيوم الصفراء من شركة التعدين البلجيكية «يونيون مينيير». وبمساعدة مسؤول متعاون في شركة بتروكيماويات ألمانية، دُفع مبلغ 3.7 مليون دولار لشركة يونيون مينيير. عملية التجسس المعقدة هذه التي قادت إلى إنجاز هذا الأمر دعيت بPlumbat operation . وكانت القصة بدأت عندما منعت أوروبا عن «اسرائيل» الوقود النووي إذ كانت هناك خشية من أفعالها. دخل الموساد وخلق شركات وهمية وغيّر ملكية سفينة تجارية تدعى Scheersberg A. وشُحنت الكمية من ميناء أنت ويرب البلجيكي على متن هذه السفينة وكتب على البراميل أنها تحوي مادة صناعية تدعى Plumbate.لكن الحقيقة أن الشحنة كانت محملة بما يسمى بYellocake أي مسحوق يورانيوم مركز يشكل الخطوة الأساسية قبل تخصيب اليورانيوم لصناعة قنبلة نووية، أي المادة القابلة للتحول إلى قنبلة نووية. هذه السفينة غادرت المانيا الغربية متجهة إلى البحر المتوسط. وأثناء تواجد السفينة في عرض البحر المتوسط، تم نقل الشحنة بالكامل إلى سفينة شحن «إسرائيلية» تحت حماية بحرية، وفجأة اختفت السفينة الأصلية عن الرادار قرب جزيرة كريت ثم ظهرت بعد ساعات فارغة من حمولتها، لتصل الشحنة بنجاح إلى «إسرائيل» لدعم مفاعل ديمونا. وما حصل أنه تم نقل ال200 طن إلى سفينة «اسرائيلية» أخرى. وفي عام 1977 سُربت قضية Plumbat من قبل بول ليف ينثال في مؤتمر لنزع السلاح، وهو محام سابق في مجلس الشيوخ الأمريكي، وقال إن شحنة الكعكة الصفراء المسروقة كانت كافية لتشغيل مفاعل مثل ديمونا لمدة تصل إلى عشر سنوات. هذه العملية البحرية الدقيقة موثقة ومذكورة في ارشيفات أوروبية. إذن ليست هذه سرقة فحسب، بل جريمة نووية وخرق تام للقانون الدولي ولنظام مراقبة المواد النووية في اوروبا.
من هنا بنى الكيان الصهيوني قوته النووية من خلال أكبر سرقة يورانيوم حدثت في تاريخ اوروبا. ويشير الخبراء العسكريون إلى أن «اسرائيل» بنت أساس نفوذها النووي الحالي على هذه العملية. ولغاية اليوم لا يجرؤ أحد على فتح تحقيق رسمي حولها.
في كل فترة تكشف لنا الوثائق الرسمية الأميركية أسرار السرقات «الاسرائيلية» لليورانيوم. وفي هذا السياق كشفت وثائق يعود تاريخها إلى سبعينيات القرن الماضي، أن مسؤولين أميركيين فيدراليين يعتقدون أن «إسرائيل» سرقت في فترة الستينيات كميات من اليورانيوم لاستخدامها في برنامج الأسلحة النووية «الإسرائيلي» السري.
على خط آخر لم تقتصر سرقة «الاسرائيليين» لليورانيوم على الولايات المتحدة ودول أوروبية بل امتدت إلى دول عربية. فقد أشارت تقارير وكتب «إسرائيلية» صدرت لاحقاً إلى قيام القوات «الإسرائيلية» خلال فترة احتلالها لشبه جزيرة سيناء (أي بعد عام 1967) بالاستيلاء على كميات من خام اليورانيوم أو الأبحاث والمواد المرتبطة به التي كانت موجودة في تلك المنطقة ونقلتها إلى منشآتها النووية.
وبحلول عام 2026، تداولت وسائل الإعلام العبرية والعالمية تقارير تفيد بأن القوات الخاصة «الإسرائيلية» وجهاز الموساد يضعان خططاً تهدف للوصول إلى منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية للاستيلاء على اليورانيوم عالي التخصيب أو تدميره لمنع طهران من إنتاج قنبلة نووية. ويأتي ذلك امتداداً لعمليات سابقة مثل سرقة الأرشيف النووي الإيراني عام 2018 والتي نُشرت تفاصيلها رسمياً. وكانت صحيفة «يسرائيل هيوم» نشرت مؤخراً مقالاً تحدثت فيه عن سرقة الموساد «الأرشيف النووي الإيراني»، عندما اقتحم عملاؤه مستودعاً مدنياً في منطقة صناعية جنوب طهران في كانون الثاني 2018، وعادوا «بنصف طن من الوثائق المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني».
إذن قضية اليورانيوم المخصب قلبت العالم رأساً على عقب. وكيان العدو هو صاحب التاريخ الأسود في مسارها. والمرحلة القادمة ستثبت أن من لا يحق له امتلاك اليورانيوم المخصب هو الذي يشكل إجرامه خطراً على البشرية جمعاء.


