لم تعد الأزمة التي يعيشها حزب الشعب الجمهوري مجرد خلاف تنظيمي أو نزاع قانوني حول نتائج مؤتمر حزبي. فالتطورات الأخيرة فتحت الباب أمام نقاش واسع حول مستقبل الحياة السياسية في تركيا، وحدود استقلال القضاء، وقدرة المعارضة على البقاء قوة فاعلة في مواجهة سلطة سياسية تمسك بمفاصل الدولة منذ أكثر من عقدين.
في الظاهر، تبدو القضية شأناً حزبياً داخلياً يتعلق بشرعية انتخاب القيادة الحالية للحزب. لكن في السياسة لا تُقاس الأحداث بنصوص القرارات وحدها، بل أيضاً بتوقيتها ونتائجها وانعكاساتها على ميزان القوى. ومن هنا تبرز أهمية ما جرى داخل حزب الشعب الجمهوري، باعتباره الحزب الذي نجح خلال السنوات الأخيرة في كسر جزء من هيمنة السلطة الحاكمة عبر الانتصارات البلدية الكبرى في إسطنبول وأنقرة وإزمير.
لقد حاول الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية النأي بنفسيهما عن الأزمة، مؤكدين أن القضاء مستقل وأن الحكومة ليست طرفاً فيما يجري. غير أن قطاعاً واسعاً من المعارضة يرى الامر بصورة مختلفة، معتبراً أن المناخ السياسي العام في تركيا بات يجعل من الصعب الفصل بين الصراع السياسي والقرارات القضائية ذات التأثير المباشر على المشهد الحزبي.
المفارقة أن الأزمة انفجرت في اللحظة التي كانت فيها المعارضة تحاول إعادة بناء نفسها بعد سنوات من الإخفاقات والانقسامات. فبدلاً من أن تنشغل بإعداد مشروع سياسي قادر على منافسة السلطة في الانتخابات المقبلة، وجدت نفسها أمام معركة وجودية داخل أكبر أحزابها وأكثرها تأثيراً.
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في مصير أوزغور أوزيل أو عودة كمال كيليتشدار أوغلو إلى الواجهة، بل في الرسالة السياسية التي يلتقطها الشارع التركي. فعندما تصبح قيادة أكبر حزب معارض موضع نزاع قضائي وسياسي في آن واحد، فإن الثقة العامة بالعملية السياسية كلها تتعرض للاهتزاز.
وتكشف الأزمة أيضاً عن مأزق المعارضة التركية المزمن. فعلى الرغم من النجاحات الانتخابية المهمة التي حققتها في البلديات الكبرى، ما زالت عاجزة عن بناء مركز قرار موحد ورؤية استراتيجية متماسكة. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن المعارضة لا تزال تعاني من هشاشة داخلية تجعلها عرضة للاهتزاز عند أول اختبار جدي.
في المقابل، تستفيد السلطة الحاكمة من هذا الواقع بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فكل يوم تنشغل فيه المعارضة بصراعاتها الداخلية هو يوم إضافي يمنح الحكومة فرصة لترتيب أوراقها وتعزيز مواقعها السياسية. وفي عالم السياسة،لا تحتاج السلطة دائماً إلى هزيمة خصومها؛ أحياناً يكفي أن ينهك الخصوم أنفسهم بأنفسهم.
لكن ما يحدث اليوم يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة. فتركيا تقف أمام سؤال أكبر: هل تستطيع المحافظة على حيوية التعددية السياسية التي ميّزت تجربتها لعقود، أم أنها تتجه نحو مشهد سياسي يزداد فيه اختلال التوازن بين السلطة والمعارضة؟
إن قوة أي نظام سياسي لا تُقاس بقدرة الحكومة على الانتصار، بل بقدرة المعارضة على العمل بحرية وتنظيم نفسها والمنافسة على السلطة، وفق قواعد واضحة ومستقرة. وعندما تتحول الأحزاب الكبرى إلى ساحات نزاع قانوني وسياسي مفتوح، فإن الخاسر النهائي قد لا يكون حزباً بعينه، بل الثقة العامة بالحياة الديمقراطية نفسها.
لذلك فإن أزمة حزب الشعب الجمهوري ليست مجرد خبر عابر في السياسة التركية، بل محطة قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة بأكملها. فإما أن تنجح المعارضة في تجاوز الانقسام واستعادة زمام المبادرة، وإما أن تدخل تركيا مرحلة جديدة تتسع فيها الفجوة بين قوة السلطة وضعف البديل، وهو واقع ستكون له انعكاسات عميقة على مستقبل الجمهورية التركية وعلى توازناتها الداخلية في السنوات القادمة.
إبراهيم الدن

