القلم السوري لا يعترف بسايكس بيكو «الرابطة القلمية» في مواجهة طمس الهوية

 8 ـ دوافع الحملة الحالية على الهوية السورية لأدباء النهضة

.1 د ـ عصام خليفة: بين التاريخ والسياسة

       المؤرخ والنقابي الدكتور عصام خليفة كان من أبرز المنتقدين لتوصيف أدباء المهجر بأنهم «سوريون» ـ

.2 يوسف رجي: الوزير الذي قرر إعادة كتابة التاريخ

       وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي أصر على أن هؤلاء الأدباء «لبنانيون لا سوريون».

 .3 القوات اللبنانية: اعتبار الطمس « محاولة اغتيال»

واعتبرت الدائرة الثقافية في القوات اللبنانية أن تصنيف هؤلاء الأدباء بأنهم «شعراء وأدباء سوريون» هو «محاولة اغتيال للثقافة والهوية اللبنانيتين» ـ

4  ـ تحليل الدوافع

ما الذي يدفع هؤلاء إلى هذه الحملة الممنهجة ضد الانتماء السوري لأدباء النهضة؟

أولاً:   دوافع سياسية تتعلق بالمشروع الوطني اللبناني الحالي ـ أي تذكير بأن لبنان كان جزءًا من سورية الطبيعية، هو بمثابة تهديد مباشر لهذه الشرعية.

ثانيًا: دوافع طائفية ومذهبية ـ بعض الأطراف ترى في لبنان وطنًا نهائيًا للأقليات، ولذلك فإنهم يسعون إلى «لبننة» كل رموز الثقافة، لضمان بقائهم في إطار محدود بعيدًا عن الانتماء المشرقي الواسع.

ثالثا: دوافع نفسية نابعة من أزمة هوية حادة ـ فهناك نخب لبنانية تعاني من انفصام في الشخصية: هم سوريون ـ عرب باللغة والدين والتاريخ، لكنهم يريدون أن يكونوا «لبنانيين فقط»، في تناقض مع كل مكونات هويتهم الثقافية وإرثهم الحضاري.    

 9 ـ الرد على مغالطاتهم: سوريا الطبيعية لا تعني نفي لبنان

إنصافا للحقيقة أن انتماء جبران ونعيمة وأبو ماضي والريحاني إلى الأمة السورية لا ينتقص من لبنانيتهم، بل يثريها ـ فأن تكون لبنانيًا لا يعني أن تتنكر لجذورك السورية والعربية ـ أن تكون لبنانيًا لا يعني أن تنكر أن لبنان كان وما زال جزءًا من امة أكبر اسمها سورية الطبيعية، امتدادًا لمنطق جغرافي وتاريخي وحضاري آلاف السنين.

كما أن الواقع السياسي الحالي لا يعيد كتابة الماضي ـ فلبنان اليوم جمهورية مستقلة، وهذا الاستقلال لا يلغي حقيقة أن أدباء النهضة عاشوا في عصر كانت فيه الحدود مختلفة تمامًا

 10 ـ خلاصة: موقف عمدة نيويورك فيوريلو لاغوارديا

في هذه الأثناء، لا بد من استحضار موقف عمدة نيويورك الأسبق فيوريلو لاغوارديا، الذي كان واحدًا من أكثر الشخصيات الأمريكية دعمًا للقضية السورية ـ فيوريلو لاغوارديا، السياسي الأمريكي من أصول إيطالية، شغل منصب عمدة نيويورك بين عامي 1934 و1945 ـ كان معروفًا بمناهضته للاستعمار والفاشية، ووقف بكل شجاعة إلى جانب القضية السورية في ثلاثينيات القرن العشرين.

لاغوارديا رفض الاعتراف بالتقسيمات الاستعمارية التي فرضتها معاهدة سايكس بيكو، ودعا إلى وحدة الأمة السورية واستقلالها ـ كان يشير في خطاباته إلى «سورية الطبيعية» ويدعم جهود أدباء المهجر، وخصوصًا جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، في نشر الوعي القومي بين الجاليات السورية في الولايات المتحدة ـ لقد كان مثالًا حيًا على قائد عالمي لا يخشى قول الحق، حتى لو كان ذلك يتعارض مع المصالح الاستعمارية.

 11 ـ إجماع العلماء والمؤرخين: الهوية أوسع من الخرائط

في هذا السياق، لا بد من الاستشهاد برأي المؤرخين وعلماء الآثار والمستعربين الذين أكدوا هذه الحقيقة ـ وقد كتب الدكتور فايز مقدسي أن «وحدة سوريا الطبيعية» كانت ثابتة منذ أقدم الأزمنة ـ هذا يعني أن الهوية السورية ليست اختراعًا سياسيًا حديثًا، بل هي حقيقة حضارية راسخة.

كما أكد المستعربون وعلماء التاريخ أن المنطقة كانت تُعرف باسم «سوريا» (Syria) في اللغات الأوروبية، و «بلاد الشام» في المصادر العربية، كاسم واحد للأمة السورية جمعاء ـ

كما أن المطران يوسف الدبس المؤرخ الماروني يقول في كتابه «تاريخ سورية الديني والدنيوي عن ارتباط المسيحيين بالأمة السورية»:

بالنسبة للمطران الدبس، كان ارتباط المسيحيين، وخاصة طائفته المارونية، بسورية ارتباطاً وجودياً وتاريخياً ـ لقد اعتبرهم جزءاً لا يتجزأ من نسيج هذه الأمة، وأكد على أصولهم السورية ـ هذا يتجلى بوضوح في مقولته الشهيرة:

«ما الموارنة إلا سريان سوريون» ـ .

بهذه العبارة الموجزة، نفى الدبس أي انتماء خارجي للموارنة، وأكد أن جذورهم وتاريخهم ممتدة في عمق الأراضي السورية، حيث ولد وترعرع وناضل وبشر مار مارون، هذا يؤكد أن الانتماء إلى الأمة لم يكن قضية سياسية فحسب، بل هو حقيقة تاريخية وثقافية راسخة ـ وبهذا المعنى، اعتبر المؤرخون أن المطران الدبس في كتابه لم يرَ في سورية مجرد منطقة جغرافية، بل اعتبرها الوطن الجامع، الأمر الذي يعكس رؤية عميقة لوحدة هذه الأرض وتكامليتها ـ : كتاب (تاريخ سورية الدنيوي والديني (معروف أيضاً باسم «تاريخ سوريا» ـ المؤلف: المطران يوسف الدبس (1833 ـ 1907)

 12 ـ الخلاصة العلمية والتاريخية: الهوية المركبة او التكاملية ليست تناقضًية

        أدباء النهضة الذين نناقشهم وُلدوا وكبروا وتعلموا وكتبوا في عصر كانت فيه سورية اسمًا لأمة واحدة عندما نكتب عنهم اليوم، لا نستطيع أن نسلخهم من انتمائهم التاريخي ـ فالواقع السياسي الحالي، مهما كان مهم، لا يعيد كتابة الماضي.

 إن من يهاجمون هذا الانتماء السوري لأدباء النهضة هم إما جاهلون بالتاريخ، أو متعصبون للهوية اللبنانية المُختزلة، أو يحملون أجندات سياسية تهدف إلى تفكيك المشرق العربي وطمس هويته الطبيعية الجامعة.

والملفت أن من يهاجمون هذا الانتماء السوري لأدباء النهضة هم بالأغلب مسيحيين موارنة، او ينتمون الى بطركيات انطاكية وسائر المشرق في الطوائف المسيحية، وهم نفسهم ك «مسيحيين مشرقيين» يؤرخون لوجودهم على أنه امتداد فينيقي منعزل في لبنان، وهنا لا بد من مصارحتهم في الحقائق التاريخية:

عن اي مسيحية مشرقية نتحدث خارج الانتماء الى سورية الطبيعية ـ الجغرافيا والإرث الحضاري الحاضن لمسيحيي المشرق ولبطركياتهم السامية والجليلة.

 وعن أي انتماء فينيقي قبلي نتحدث خارج التفاعل الفينيقي ـ الكنعاني المادي والروحي من اوغاريت ورأس شمرا الى غزة في جغرافية سورية الغربية؟

كم كان حبران خليل جبران عظيما ومحقا عندما وصف اشباه هؤلاء في عصره آنذاك في كتابه العواصف ص 60 ـ بعنوان الاضراس المسوسة «في فم الامة السورية اضراس بالية مسوسة قذرة ذات رائحة كريهة وقد حاول أطباؤنا تطهيرها وحشوها بالميناء والباس خارجها رقوق الذهب، ولكنها لا تشفى ولن تشفى بغير الاستئصال»

 الانفتاح على الرحب الثقافي المشرقي بديلاً عن الانعزال المريض

في النهاية، ندعو إلى وقفة تأمل ـ ما الذي يخشاه السياسيون والمؤرخون اللبنانيون من الاعتراف بأن جبران ونعيمة وأبا ماضي والريحاني كانوا سوريين في زمن سوريا الطبيعية؟ هل يعتقدون أن هذا سيُضعف لبنان؟ الحقيقة عكس ذلك تمامًا.

جورج م رياشي ـ الحلقة الثانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *