في منطقتنا العتيدة، لم نتوقف ولو لمرة واحدة لنسأل عن أحوالنا الاجتماعية، إلا في حالات نخبوية، إما عابرة، أو تم كتمها بغلظة وهمجية، وربما هذا ما جعل علم الاجتماع، علم هامشي نظراً لتخلي «السلطات» عنه كعلم، والسخرية منه كمعرفة يمكن ممارستها على أرض الواقع، حيث تركت السلطات هذا الأمر لسلطة المخابرات، في محاولة لقراءة سيرورة الاجتماع، بحيث يمكن التحكم بهذه السيرورة، لحماية السلطة، وهذا التحكم هو بالضبط عملية إلغاء علم الاجتماع، وإخراجه من ساحة الفعل الاستشرافي، إلى ممارسة تعلمية في أقبية المخابرات، حيث يمكن تعديل الجينات الثقافية المنتجة لمعارف علم الاجتماع، لتصبح مجرد معلومات، عن خيانة أو ثورة، أو مطلب شعبي يمكن كبته، ولكن ليس على هذه النقطة سيتوقف الاجتماع عن الارتقاء، بل على البنية المعرفية لهذا الاجتماع أو ذاك، عبر المحافظة عليها كما هي، عندها يبدأ الاجتماع بالتعفن، وليس من قدرة قادرة على تجنيبه هذا المصير أي التعفن، وستمضي كل الحلول والمساعدات المعرفية الخارجية أدراج الرياح، حيث أن التعفن حدث، وليس هناك قابلية للشفاء دون الاعتراف به، وحسم أمر معالجته ليس كحالة إسعافيه، بل كرؤية استراتيجية، تتطلب التنازل عن الثقافة المرعية، التي قادت إلى التعفن.
للتعفن أعراض واضحة للعيان، أولها وأكبرها العنف، لا شيء يحل إلا بالعنف، إن كان رمزياً، أو فيزيائياً، فالافتراء، والظلم، والمحسوبية (مثالاً) هي عنف رمزي فائق الظهور والتمظهر في اجتماعاتنا البشرية، التي تتوهم بأنها «مجتمع» بالمعنى المعاصر، ولكنها على أرض الواقع بنى متعفنة زاحفة، لا تقوى على إنتاج احتياجاتها، لفقدانها البوصلة التي تدلها إلى «المجتمع»، وهو الطريقة الوحيدة حاليا لإنجاز العيش الكريم، وهنا تحصل ولادة الدولة المسخ المتناسبة مع التعفن، دولة استبدادية بالمعنى المعاكس لحدوث مجتمع، ولأن العلاقة تبادلية بين هكذا تفسير «للدولة» والاجتماع المتعفن، فإنه من المتعذر إنتاج عيشاً كريماً للجميع، وعلى هذا التعذر تبنى الحروب الأهلية، القائمة حالياً، والقادمة على أكتاف الجهل المقدس.
في هذه البيئة الثقافية يتعفن الاجتماع البشري، شح في الموارد، يترافق بسوء توزيع، فقدان المهارات المعرفية والاحترافية، غياب تام لعلم الاجتماع كعملية تشخيصية للواقع، فقدان التعليم لدوره، وتسلط الشهادات عليه، مراقبة لصيقة لكل مختلف في بيئات تحتكم إلى الأغلبية العددية، القسر والإجبار على القولبة، المظاهر المسنودة عنفياً وقيامها بأدوار الإرشاد والتصويب، التشرذم الاجتماعي بالبحث عن عصبيات ومرجعيات قادرة على الابتزاز بالعنف، التعامل مع القوانين باستثنائيات باعتبارها حمالة أوجه، فقدان الفن والإبداع باعتبارهما القوة الناعمة للمجتمع، الخوف الدائم من الغد، الهشاشة الفكرية والثقافية والدفاع الجزافي عن الأفكار والأيديولوجيات التي تفككت بفعل الزمن، إجهاض فرص النهضة بحجج واهية كالدفاع عن الخصوصية والهوية، تضخم وهم نظرية المؤامرة، تضخم الحب والكراهية على حساب المصالح المشتركة، الضعف السياسي والحضاري أمام الخارج، وكل هذا غيض من فيض، وعلى شح ما ذكرنا يمكننا القول، بتعفن هذه الأنواع من الاجتماع، متمثلاً بفشل ثقافي عام وعميق، لا مجال للتخلص منه لسنين طويلة قادمة.
لم يعد من شيء خاف على أحد، فوسائل التواصل الاجتماعي تنقل الصورة للجميع، وترويض الصورة مهما بلغ من المهارة، والعنف، لن يلغي الحقيقة، على الرغم من قدرة المؤسسات الكبرى، وكذلك الجيوش الإلكترونية، على صناعة محتوى موجه، إلا أن الحصيلة تبقى على الأرض، وفيها رابح وخاسر، وكذلك محتال ومغفل، ولكن الخسارة هي البقاء في حمأة التخلف والجهل، واللامعنى، واللافعالية، بلاد تشحذ خبزها وماءها، وتؤجر سياساتها للخارج دون مقايضات سياسية، وليس من بلدان على شكل جمعيات خيرية تقدم الهبات والمساعدات لينهبها المتنفذون المتقاسمون بحكم توازن العنف.
في الاجتماع المتعفن، تتراجع الأمنيات الشعبية، إلى مستوى لقمة العيش، وسقف يقي، وأمان من عصيّ العنيفين، فهل هذا ما يطلبه الإنسان من العيش الجماعي؟ وهل هذا يكفي لإعلان هوية متحضرة متميزة بجمالياتها وفنونها وإبداعاتها؟ وهل «نحن» أمام مفترق طريق، سنختار حتماً مفارقة العالم ومنجزاته، مستجدين اعترافه بنا، المسألة ليست بسيطة كجرح متعفن يعالج بالمبيدات والمطهرات الطبية، لا هو ليس كذلك، إنه سيرورة حياتية تحتاج كل أنواع الإنتاج زراعة وصناعة وفكراً.
جملة ترددت طويلاً في الأدبيات السياسة «إنه الاقتصاد يا غبي»، اليوم يمكن تكرارها بعمق أكثر…. إنها الثقافة أيها «الذكي».

