كان قديما يدعى فساد
تركوه حتى كبر ف(ساد)
«أحمد مطر»
عاش البشر في كل حقبات التاريخ تحت حكم طغاة فاسدين وقتلة مجرمين، يبدون وكأنهم من جينة وراثية واحدة ويتمتّعون بسمة مشتركة، بحيث تصرّف هؤلاء الطغاة وكأنّهم أصحاب سلطة مطلقة على كل مظاهر الحياة، فيتحوّل جنونهم ونزقهم المرضي إلى (قرارات دولة) وأحكام دستورية مبرمة لا يستطيع أحد أن يخالفها. ودونكم باقة من أشهر انجازات هؤلاء الحكام موثّقة ولا غبار حول صحّتها:
كان معمر القذافي يصرّ على نصب خيمته البدويّة في أي دولة يزورها، حتى في قلب نيويورك وباريس.
أما حرسه الخاص فكان مؤلفا من النساء، وكان يشترط أن يكن عذراوات ومدرّبات على القتال.
لكن الأهم من كل ذلك أنه فرض كتابه كمنهج دراسي وحيد للفكر السياسي وجعله مكان الدستور ليكون السيّد المطلق في ليبيا على مدى عقود.
أما صابر مراد نيازوف، الرئيس التوركمنستاني فقد بدّل أسماء الشهور وأيام الأسبوع. إذ سمّى شهر كانون الثاني/يناير «تركما نباشي» على لقبه، ونيسان / أبريل على اسم أمه. كما بُني له تمثالٌ ذهبي دوّار، من الذهب الخالص في مدينة عشق آباد يدور مع الشمس حتى يكون وجهه باتجاه الكوكب الساطع في كل ساعات النهار.
أما كيم جونغ إيل زعيم كوريا الشمالية السابق، فقد وصل به جنون العظمة إلى اختطاف مخرج أفلام كوري جنوبي وزوجته الممثلة، سنة 1978 كي يعملا في خدمته حصريا. أنتجا له سبعة أفلام وتمكنا من الفرار بعد ثماني سنوات من الاعتقال.
أما عيدي أمين دادا الرئيس الأوغندي فقد أرسل مكاتيب حب وغرام إلى الملكة إليزابيث ومن المعروف عن عيدي أمين أنه من أكلة لحوم البشر وطعامه المفضل «خصومه السياسيين» فهو أفترس كبد أحد وزرائه نيئا
إذا أردنا أن نذكر مجانين السلطة عبر التاريخ لن نفرغ إلا وقد ملأنا المجلدات.
لا تكتمل الصورة إلا بذكر ستالين أكبر سفاح في التاريخ وشيخ المجرمين المعتوهين، الصيت لهتلر والفعل لستالين إذ وصل به إجرامه لإبادة الملايين في معسكرات الاعتقال.
لكن جنونه وصل إلى ذروته حين كان يصحح قواعد اللغة في تقارير التعذيب التي تصله من المخابرات بدم بارد وعقلية من فقد الإحساس الإنساني وكأنه يلهو بالكلمات المتقاطعة في الصحيفة.
جمع ستالين بين مرض البارا نويا والبيروقراطية المهووسة والقساوة والإجرام وحب اذلال البشر، وعلى ما يبدو أن دونالد ترامب ورث من كل هؤلاء الطغاة فسادهم ونزقهم من الذين ذكرناهم وغيرهم أيضا؛ وشاركهم في هذيانهم وإجرامهم وأحابيلهم السياسية وفي التلاعب بالإدارة، ولكن بتوليفة حديثة وأساليب ميركانتيلية مبطّنة بمؤامرات رجال الأعمال، ومموّهة خلف طقم إفرنجي وكرافات حمراء!
من انجازات دونالد ترامب مؤخرا أنه وضع قوانينا تعفيه من الضريبة هو وكل أفراد عائلته ويشمل ذلك المشاريع والشركات والأموال والأرباح التي من الممكن أن يجنيها أولاده في المستقبل، وخاصة عدم دفع الرسوم انتقال الملكية في حال الوفاة، يذكّرنا ترامب بطريقة عمل القانون في لبنان وكأنه استوحى هذه البدع من عندنا (وهذا فخر لنا ولا ريب) الكل يذكر عندما الغيت الضريبة على رسوم انتقال الملكية إلى الورثة عند وفاة رفيق الحريري لمدة 24 ساعة ولم تحصّل خزينة الدولة قرشا واحدا من معاملات نقل التركة.
حصل أيضا مع السياسيين في لبنان أمر مماثل، عندما استغلوا ثورة 17 تشرين سنة 2019، حين أقفلت الدوائر العقارية أبوابها أمام المواطنين، ولم يتمكنوا من متابعة مصالحهم، ولكن سخّر الزعماء الموظفين ليلا نهارا لنقل ملكيات وعقارات إلى ورثتهم مع مخالفات بالمليارات تحت عين ونظر الدولة.
من مآثر ترامب القانونية أيضا أنه وعلى غرار تشاوتشيسكو، وضع قانونا يمنع عنه المحاكمة هو وأفراد عائلته بعد نهاية ولايته، علما أن ثمة محكمة فدراليّة جمدت منتصف شهر أيار أصولا بقيمة 1.8 مليار دولار من تبرعات أنصار ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم!
الطغاة يتشابهون في سلوكهم يعتبرون أنفسهم آلهة والقاسم المشترك بينهم هو: الجنون!
من آخر البدع التي خرج بها دونالد ترامب رغبته في طبع صورته على ورقة الدولار لأنه يعتبر أنه أهم شخصية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، فضلا عن أنه قديس ومبعوث من قبل الله لإنقاذ وطنه والبشرية ويجب ان يضاف على اسمه لقب: المختار The Chosen One.
ختاما أحب أن استشهد بقول للفيلسوف الإيطالي الكبير امبرتو ايكو:
« إن الذين يسرقون القليل يعاقبون بالسجن بينما الذين يسرقون أموالا طائلة فهم الناجحون في الحياة»!

