بين التفاوض وإعادة الاحتلال

تتزايد في الآونة الأخيرة المؤشرات الصادرة عن مسؤولين من العدو الإسرائيلي ووسائل إعلام عبرية حول توجهات أمنية وعسكرية تتجاوز حدود الإجراءات الميدانية المؤقتة، لتلامس مشروعاً استراتيجياً يهدف إلى فرض واقع جديد على الحدود الجنوبية للبنان.

وفي الوقت الذي تُقدَّم فيه المفاوضات اللبنانية ـ «الإسرائيلية»، المباشرة منها وغير المباشرة، تحت عناوين أمنية وتقنية، تبرز في المقابل قراءات سياسية ترى أن المؤسسة العسكرية للعدو الإسرائيلي تسعى إلى تكريس منطقة نفوذ أمنية على أجزاء من الجنوب اللبناني، بما يشبه إلى حدٍّ بعيد الوقائع التي أعقبت اجتياح عام 1982، حين أُنشئت أحزمة أمنية وأُنيطت إدارتها بقوى محلية ارتبطت بمشروع الاحتلال.

وتستند هذه القراءة إلى سلسلة من التصريحات والمواقف «الإسرائيلية » التي تتحدث عن ضرورة تأمين المستعمرات الشمالية ومنع أي تهديد مستقبلي لها، الأمر الذي يثير مخاوف جدية من أن يكون الهدف الفعلي هو فرض حدود أمنية جديدة بقوة الأمر الواقع، بعيداً عن أي تسوية عادلة أو احترام للسيادة اللبنانية.

لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الاحتلال، مهما تبدلت أشكاله ومسمياته، يبقى احتلالاً. كما أثبتت أن أي محاولة لإنشاء إدارات محلية أو ميليشيات مرتبطة بالمشروع الإسرائيلي لا تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الوطني وإطالة أمد الصراع، قبل أن تسقط أمام إرادة الشعب وتمسكه بأرضه وحقوقه.

ومن هنا، فإن مواجهة أي مشروع يستهدف السيادة اللبنانية لا يمكن أن تكون مسؤولية فئة دون أخرى، بل هي مسؤولية وطنية جامعة تتطلب مشاركة جميع أبناء المجتمع اللبناني، بمختلف انتماءاتهم ومناطقهم، في مشروع مقاومة وطنية شاملة يحمي الأرض ويصون الاستقلال ويمنع إعادة إنتاج تجارب الاحتلال السابقة.

إن لبنان يقف اليوم أمام استحقاق تاريخي يتجاوز الحسابات الضيقة والانقسامات التقليدية. فالمطلوب ليس فقط مواجهة الأخطار الآنية، بل بناء رؤية وطنية متكاملة تجعل من الدفاع عن الأرض والسيادة قضية جامعة لكل اللبنانيين، وتؤسس لدولة قوية وقادرة على حماية حدودها وصون حقوق شعبها والحفاظ على وحدتها الوطنية.

فالتاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تُحمى بالتسويات المفروضة ولا بالمناطق العازلة، بل بإرادة الشعوب ووحدة موقفها واستعدادها الدائم للدفاع عن حقها في الحرية والسيادة. وأي مشروع يرمي إلى إعادة عقارب الساعة إلى زمن الاحتلال سيجد نفسه أمام الحقيقة ذاتها التي أسقطت مشاريع الاحتلال السابقة: إرادة شعب يرفض التفريط بأرضه وكرامته ومستقبله.

إن مشروع المقاومة الوطنية اللبنانية لم يكن في أي يوم مشروع فئة أو طائفة أو منطقة، بل كان مشروع الدفاع عن الوطن بأسره. وكل المؤشرات التي تلوح في الأفق تؤكد أن التمسك بهذا الخيار الوطني الجامع يبقى الضمانة الحقيقية لإفشال أي محاولة جديدة لفرض وقائع الاحتلال أو إعادة إنتاج أدواته تحت أي مسمى كان.

أحمد الأيوبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *