ما زالت الويلات الكبرى والخطيرة تعصف بالمجتمع السوري، وما زالت البلاد ضائعة بين مسارات الحرب والمقاومة والتفاوض، وما زالت السياسات الحكومية المتضاربة والعاجزة عن معالجة أسباب التراجع التاريخي الذي تعانيه الأمة، تؤكد الحاجة إلى إعادة النظر في الأسباب العميقة للأزمات التي تضرب شعبنا السوري. فالمشكلات التي تتجلى في الضعف السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وما يرافقها من أخطار وتحديات داخلية وخارجية، ليست مجرد نتائج ظرفية فرضتها الأحداث الراهنة، بل هي تعبير عن أزمة أعمق تتصل بفقدان الهوية الاجتماعية الجامعة، وفقدان الهوية السياسية التي توحد مصالح الشعب وتحدد اتجاهه التاريخي ومصيره القومي.
إن شعبنا السوري، على مدى زمني طويل، عانى الكثير من الاحتلالات، ويعاني اليوم من الضعف في كل المجالات، ويعود ذلك إلى فقدان الهوية الاجتماعية وفقدانه للهوية السياسية الجامعة لمصالح الشعب. وما يصيب شعبنا السوري من أخطار وتخلف وفقر لا يعود إلى أننا شعب غير قادر على الإنتاج فكرا وصناعة وغلالا، بل يعود إلى أننا شعب انقسم على نفسه، وتحول إلى شرانق كيانية حاقدة على بعضها، وتاه في أنفاق التقوقع والانغلاق الديني والمذهبي المظلم، ويعشعش فيه الفساد والموبقات الاجتماعية والأفكار المضللة التي لا هدف لها ولا مثل عليا توحد اتجاه الشعب للسير في طريق التقدم والارتقاء.
إن الكبوة التي يمر بها الشعب السوري ليست قدرا له، وليس التأخر عن مسار الارتقاء الحضاري من خصائص نفسيته. ولذلك أعلن سعاده بزوغ النهضة السورية القومية الاجتماعية. وهذا الإعلان ما كان حدثا عارضا، بل كان حدثا عميقا في حياة الأمة السورية، وقد جاء استجابة لنفسيتها التاريخية العظيمة الرامية إلى إخراج الأمة من واقع الانحطاط والتخلف والتشرذم.
لقد بدلت النهضة التي أرسى مبادئها المعلم سعاده مسار الأمة، وصوبته من السير في طريق الانحطاط والتخلف والتشرذم إلى مسار الارتقاء بالوحدة الروحية والاجتماعية والاقتصادية ضمن جغرافيتها المحددة، والتي وضحت هويتها الحقيقية. وما عادت الأمة، وفق هذا الواقع الطبيعي المعلوم، كيانات سياسية متباغضة، وما عادت الديانات متناقضة، وما عادت إثنيات متخاصمة.
لقد أثبت سعاده بالتحقيق العلمي أن الأمة السورية وحدة جغرافية اقتصادية اجتماعية ثقافية، وكيان سياسي اجتماعي اقتصادي واحد يمتد على كامل الوطن السوري من طوروس إلى قناة السويس، وبالتالي فإن هذا المجتمع هو في حقيقته مجتمع، واحد، ومصير، واحد.
وانطلاقا من هذه الحقيقة، فإن أي خطر، أو احتلال، أو أي اعتداء ،أو أي ضرر يصيب جزءا من الوطن السوري إنما يصيب الأمة السورية في الصميم. ولذلك فإن القول بأن الاعتداء اليهودي على فلسطين لا دخل لباقي الأمة فيه، أو أن الاعتداء اليهودي على الشام ولبنان والأردن هو شأن يخص كيانات سياسية منفصلة، إنما هو قول يناقض حقيقة وحدة المجتمع ووحدة المصير.
كما أن القول بأن هذه الاعتداءات مسؤولية كيانية أو مسؤولية دينية أو مذهبية، هو من الأقوال الناتجة عن جهل الهوية وجهل المصير. ولكن الأرجح أنه ناتج عن غباء مقصود مرتبط بعصبية متخلفة أساسها الارتباط مع العدو اليهودي في تفاهمات سلامية، وهي تفاهمات مقززة لدناءة عاقديها ولما تنطوي عليه من تنازل عن مصالح الأمة وحقوقها.
ومن هذا المنطلق، فإن وصف الدولة الأمريكانية التي تدعم وتسلح وتدرب وتحمي العدو اليهودي بالدولة الصديقة، لهو خيانة للأمة ولمصالحها القومية. كما أن كل اتفاق، وكل معاهدة، وكل تفاهم يبقي على الاحتلال اليهودي في فلسطين، ويبقي على الاحتلال الأمريكاني في العراق والشام تحت أي ذريعة كانت، لا قيمة حقوقية له.
وإن موقعي هذه الاتفاقات والمعاهدات والتفاهمات هم خونة بحق الأمة السورية مهما علت مناصبهم الرسمية، لأنهم يخالفون الإرادة الشعبية الرافضة للعدو اليهودي والعدو الأمريكاني، ويتجاوزون المصالح القومية العليا للأمة.
وعلى الشعب السوري، في مختلف كياناته السياسية المزيفة، أن يسقط هذه المقامات السياسية الرسمية المزورة للحقائق الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية والثقافية للأمة، وأن يعيد الاعتبار إلى حقيقة الأمة الواحدة والمجتمع الواحد والمصير الواحد.

