في خضم التحولات الكبرى التي شهدها الهلال الخصيب عبر العقود الماضية، برز الحزب السوري القومي الاجتماعي بوصفه أحد التنظيمات الفكرية والسياسية التي حافظت على خطابها وثوابتها دون انزلاق نحو التبدّل مع تغير موازين القوى. وقد تأسس هذا المشروع على يد المفكر والزعيم أنطون سعادة، الذي قدّم رؤية تعتبر أن وحدة المجتمع السوري التاريخي والجغرافي والثقافي تتجاوز الكيانات السياسية المستحدثة بعد سايكس–بيكو، وتشمل سوريا ولبنان وفلسطين والعراق وأجزاء من بلاد الشام الطبيعية.
ثبات فكري في وجه التحولات
منذ نشأته، اعتمد الحزب السوري القومي الاجتماعي على قاعدة فكرية واضحة تقوم على أن «القضية القومية ليست موقفاً ظرفياً»، بل هي مشروع نهضوي طويل الأمد. لذلك، لم يتبدل خطابه الأساسي رغم تبدّل الأنظمة السياسية، والحروب، والانقسامات الإقليمية، بل بقي ثابتاً على مفاهيم أساسية: وحدة المجتمع، السيادة الوطنية، ورفض التجزئة السياسية المفروضة.
هذا الثبات لم يكن انعزالاً عن الواقع، بل قراءة له من زاوية مختلفة، ترى أن الأزمات المتكررة في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق ليست منفصلة، بل هي تجليات لمشكلة بنيوية واحدة تتعلق بتفكك الهوية السياسية الجامعة في المشرق.
سوريا: مركز الفكرة وصراع الدولة والهوية
في الحالة السورية، يطرح الحزب رؤيته من منطلق أن سوريا ليست مجرد دولة حديثة الحدود، بل جزء من كيان اجتماعي وتاريخي أوسع. ومن هذا المنطلق، حافظ على موقفه الداعي إلى دولة قوية، مركزية، قائمة على مفهوم المواطنة الجامعة، بعيداً عن التقسيمات الطائفية والمناطقية.
ورغم تعقيدات الواقع السوري خلال السنوات الأخيرة، ظل الحزب يؤكد أن الحل لا يكون عبر مشاريع خارجية أو ترتيبات جزئية، بل عبر إعادة بناء الدولة على أساس وطني شامل يعيد الاعتبار لفكرة الانتماء الجامع.
لبنان: بين الكيان والدور القومي
أما في لبنان، فقد تعامل الحزب مع الواقع اللبناني من زاوية اعتباره جزءاً من الكيان السوري الطبيعي، مع احترام خصوصية التجربة اللبنانية. لكنه في الوقت نفسه، شدد على أن الأزمات البنيوية في لبنان – من الانقسام السياسي إلى الأزمات الاقتصادية – تعود إلى غياب مشروع وطني جامع.
يرى الحزب أن لبنان لا يمكن أن يستقر خارج إطار رؤية أوسع للمنطقة، وأن استقراره مرتبط بإعادة صياغة مفهوم الدولة على أسس تتجاوز الطائفية السياسية، نحو دولة مدنية-وطنية متماسكة.
فلسطين: قضية مركزية في الوجدان القومي
أما فلسطين، فقد احتلت موقعاً مركزياً في الخطاب القومي للحزب، باعتبارها جزءاً أساسياً من الأرض السورية الطبيعية. وقد تبنى الحزب موقفاً واضحاً في دعم القضية الفلسطينية ورفض الاحتلال، معتبراً أن الصراع هناك ليس مجرد نزاع حدود، بل صراع وجود وهوية.
وفي هذا السياق، يرى الحزب أن تحرير فلسطين لا ينفصل عن تحرير الوعي السياسي في المنطقة بأكملها، وأن أي تسوية لا تعالج جذور الصراع تبقى ناقصة وغير قابلة للاستمرار.
ثبات الموقف في زمن التغيرات
ما يميز الحزب السوري القومي الاجتماعي هو أن مواقفه لم تتغير بتغير الظروف، بل بقيت مرتبطة بنسق فكري ثابت يرى أن الأمة ليست مجموعة كيانات منفصلة، بل وحدة حية تتفاعل تاريخياً وثقافياً وجغرافياً.
هذا الثبات، الذي قد يراه البعض تصلباً، يراه أنصار الحزب ضرورة فكرية لحماية مشروع يعتبرونه مشروع نهضة طويل الأمد، لا يخضع لمعادلات الربح والخسارة السياسية اللحظية.
مشروع يتجاوز اللحظة السياسية
في النهاية، يمكن القول إن الحزب السوري القومي الاجتماعي يقدم نموذجاً حزبياً يقوم على الاستمرارية الفكرية، حيث تبقى الثوابت الوطنية فوق التحولات السياسية، ويظل الإيمان بوحدة كل كيانات الهلال الخصيب و حقيقة سوريا الكبرى جوهر المشروع القومي الذي تأسس عليه.
وبين الواقع المتغير والمشاريع المتنافسة في المنطقة، يستمر هذا الخط في تقديم نفسه كدعوة إلى رؤية أوسع، تعتبر أن مستقبل المشرق لا يمكن أن يُبنى على التجزئة، بل على إعادة اكتشاف وحدة تاريخية وثقافية وسياسية أعمق من الحدود القائمة.
إبراهيم الدن

