كثيرون يعتبرون أن نهر الليطاني هو من أثمن الأنهار في العالم. فأوضاع المياه في المنطقة المحيطة به تجعله محط أطماع واهتمام. في لبنان مياهه تعادل الذهب الأسود أي النفط، ذلك أن الحاجة إليها عالية وملحة. أما الكيان الصهيوني الذي لطالما عانى من نقص حاد في المياه، فإن أطماعه واسعة بمياه هذا النهر بهدف تعويض حاجاته وتلبيتها، هذا دون ذكر أهداف مخططاته التوسعية الأخرى.
بحيرة طبريا من جهتها تعاني منذ عقود من أدنى مستوياتها. أما نهر الأردن فقد خسر 90% من تدفقه. والواقع أن تدفق نهر الليطاني هو أعلى من بحيرة طبريا على بُعد 4 كيلومترات فقط عبر حدود لبنان مع الكيان الصهيوني ويرتفع منسوبه فوق مستوى بحيرة طبريا. وبمجرد حفر نفق، من الطبيعي أن تتدفق المياه إلى كيان العدو بفعل الجاذبية مجاناً.
صحيح أن «إسرائيل» تستطيع تحلية مياه البحر وتحويلها إلى مياه للشرب، لكن هذا لا يكفي حاجاتها من المياه، لذلك فهي تسعى باستمرار إلى الاستيلاء على مياه نهر الليطاني. وهي لذلك شنت وتشن حروباً عدة. احتلت الجنوب اللبناني لسنوات وخرجت منه تحت ضربات المقاومة، ثم احتلت مجدداً اليوم، وتلاقي بالمقابل مقاومة شرسة تمنعها من تحقيق أهدافها.
نهر الليطاني هو أطول أنهار لبنان وأكبرها وأهمها من الناحية الاستراتيجية، حتى اعتبرته لجنة «كلاب» الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة عام 1949 «مفتاح مستقبل لبنان». ينبع ويجري ويصب في لبنان. ينبع من غرب بعلبك في سهل البقاع ويصب في البحر المتوسط شمال مدينة صور. يبلغ طوله 170 كلم. وتبلغ قدرته المائية تقريباً 770 مليون متراً مكعباً سنوياً. أُقيمت عليه المشاريع ووضعت الدراسات للاستفادة منه في إنتاج الطاقة الكهرومائية وتأمين مياه الري والشرب للبقاع والجنوب والساحل بهدف تنمية القطاع الزراعي والكهربائي، وللحد من النزوح والهجرة.
يحتل حوض الليطاني المرتبة الأولى من حيث المساحة (2175 كيلومتر مربع) أي حوالي 20% من مساحة لبنان، يقع 80% منها في سهل البقاع و20% في لبنان الجنوبي.
قبل أكثر من مئة عام، طالب مؤسسو الكيان الصهيوني بهذا النهر ليكون «حدوداً». وفي آذار 2026، كرر وزير في حكومة العدو ذلك. وبذلك ارتبط اسم نهر الليطاني بالصراع بين لبنان والكيان الصهيوني، ولا سيما بعملية الليطاني عام 1978 وحرب تموز 2006.
في 14 آذار 1978، شنت «إسرائيل» غزوها للبنان. حشدت آلاف الجنود، وأطلقت على العملية اسم «عملية الليطاني». خلال الغزو، صادر جيش العدو جميع الوثائق الفنية المتعلقة بالنهر. وأجرى المهندسون مسوحات ودراسات للمياه. وكأن التاريخ يعيد نفسه، فخلال «عملية الليطاني» توغّل جيش العدو في الأراضي اللبنانية وصولاً إلى نهر الليطاني، وسيطر على مناطق واسعة هناك مدة تقارب ثلاثة أشهر. وبرز اسم الليطاني في سياق القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 1978، الذي طالب «إسرائيل» بالانسحاب الفوري من جنوب لبنان وتُعد هذه العملية أول اجتياح «إسرائيلي» واسع لجنوب لبنان، سقط فيه عدد كبير من الشهداء المدنيين اللبنانيين وأصيب أكثر من 2000 آخرين، وأدت العملية إلى نزوح كبير للسكان المحليين من منازلهم وأراضيهم، حيث ترك مئات الآلاف منازلهم هرباً من القتال والقصف. وكان هدف الاحتلال الصهيوني من خلال هذه العملية إقامة منطقة أمنية تمتد 9.7 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية لتكون برأيها «حاجزاً ضد الهجمات المستقبلية»، وظلت هذه المنطقة تحت السيطرة «الإسرائيلية» لسنوات عديدة.
وفي 11 آب 2006، أقرّ مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 1701 الداعي إلى وقف الأعمال العدائية. ونص على إنشاء منطقة بين الخط الأزرق الفاصل بين لبنان و«إسرائيل» حتى نهر الليطاني، تكون خالية من أي مسلحين أو أسلحة غير تابعة للدولة اللبنانية، مع حصر الوجود العسكري فيها بالجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). وبطبيعة الحال لم يلتزم العدو بهذا القرار وظل ينتهكه حتى الساعة.
واليوم، وبفعل اعتداءات جيش العدو واستمرار عملياته العسكرية على منطقة جنوب الليطاني وتدميرها بشكل ممنهج، وأعلان رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو توسيع ما وصفه بـ«المنطقة العازلة» جنوب لبنان، أكثر من 600 ألف شخص لا يستطيعون العودة إلى ديارهم. وباتت الأرض شبه خالية من أبنائها، ومدمرة بيوتها ومؤسساتها ومدارسها ومستشفياتها ومحالها التجارية بشكل كامل. وما الاستهداف المنهجي للبنية التحتية الحيوية، لا سيما الجسور الممتدة فوق نهر الليطاني، إلا في إطار استراتيجية تهدف إلى تقطيع أوصال الجنوب اللبناني وفصله عن محيطه.
والأخطر من ذلك أن حركة داخل «إسرائيل» بدأت تُطلق على المنطقة اسم الجليل الشمالي، أي تخطي حدود لبنان مع «إسرائيل» أو إلغائها بهدف تحقيق مخطط لإقامة مستوطنات على أرض الجنوب المحتلة.
كل هذه الحروب الصهيونية على جنوب لبنان تدمر وتمحو بلدات ومدن وتجعل الجنوبيين ينزحون قسراً، إلا أن الأرض تظل أرض أبنائها، ونهر الليطاني ما زال وسيظل في مكانه ولن يتزحزح.

