الأميّة المجتمعية

اجتمعت سيرورات الاجتماع البشري، في البلدان التي تقع شرق ساحل المتوسط، منذ الثورة العربية الكبرى، على وعد بناء مجتمعات معاصرة ذات هويات واضحة مستحقة للدخول في العصر، وعلى الرغم من مجريات سايكس بيكو، سهلت الأمر وبسطته أيضاً، ليصبح أسهل على الهضم الثقافي، من ناحية تسهيل ولادة الاستحقاق المجتمعي الذي يسمى دولة، ولكن جميع المساعي الخارجي منها والداخلي، لم تستطع وخلال قرن وربع، إعلان مجتمع ذو هوية حقوقية واحدة، بشكل، واضح وحاسم وحازم. وبقيت الاجتماعات البشرية في هذه البلدان، أسيرة سلطات معاقة لا تستطيع الاقتراب من منطق الدولة وما يعنيه من تنمية، ولا الابتعاد عن هذا المنطق بصفته المولد لسلطاتها، والسبب في ذلك، هو تسييل فكرة المجتمع وتمييعها وتعميتها، فالمجتمع المعاصر هو الذي يضع السلطة أمام استحقاقات الدولة، لأنه الوحيد المخول بالمساءلة والمحاسبة، لذلك يبدو إبعاد فكرة المجتمع المعاصر هي الأكثر فعالية في الحفاظ على سلطة تسمي نفسها دولة، فالجميع لا يعلم معنى المجتمع ، وإخفاؤه هو مصلحة للجميع، فمن لا يعلم بالأمر يمكنه الاستغناء عنه، خصوصاً إذا كان هذا الإخفاء في خدمة الغرائزية البشرية، والتنبلة المعرفية، المعاكسة لفكرة النهوض بالاجتماعات البشرية، نحو الحياة الكريمة، فتكاثرت قوانين الطوارئ واستدامت لعقود طويلة (مع إنها استثناء مؤقت كوعد) حتى صارت جزء من المنظومة الحقوقية «للدولة»، حيث صنع هذا الفتق بين المجتمع والدولة، مقبرة لهما، ووصلت هذه البلدان إلى نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، دون أن تحقق أهداف هكذا نوع من «الدولة»، ولا أهداف هذا النوع من «المجتمع»، بسبب غياب الرحم المولد للدولة، ألا وهو المجتمع المعاصر.

المجتمع هو حالة معرفية ترتفع إلى مقام الثقافة ( وكذلك الدولة)، بمعنى الدافع المحرك للسلوك البشري، فردياً كان أم مؤسسياً، حيث يؤسس المجتمع على معرفة المصالح وخدمتها وتقاسم مواردها، وهذا ما يتطلب المعرفة بالآخر، المختلف بكل شيء عدا الحقوق والواجبات، ومعرفة الآخر لا تعني إتباعه، وبالضرورة لا تعني إلغاؤه حتى يصح الصحيح، حيث تبرز هنا فقرة مهمة، هي معرفة الآخر، من أجل تفادي الانقسام على المصالح وبالتالي تفتيتها وبعثرتها (وهذا أحد تعريفات الفساد والإفساد)، فمعرفة الآخر دون قرار بالرفض أو القبول، هو ما يشكل القاعدة الأساسية لبناء المجتمع، وعليه تم اصطلاح كلمة مواطنة، كتعبير عن الآخر المتساوي حقوقياً، رغم المعرفة المسبقة بوجود الاختلاف، هذا الاختلاف نفسه والناتج عدم العلم والمعرفة، هو ما أدى بهذه البلدان إلى الفشل الاجتماعي، حيث لا يمكن «لدولة» أن تنجح، ولا لتنمية أن تقوم، ولا إنتاج يمكن أن توزع موارده على الجميع بالقسطاس.

أفاقت هذه البلدان، على حقيقة معروفة في كل بلدان الأرض، وهي هناك أناس مختلفون ومتنوعون يعيشون معنا، في ذات الحيّز الجغرافي، فماذا نحن فاعلون بهم، وفي المحصلة خطر لسكان هذه البلدان، خطر لهم كل شيء عدا أن يتعارفوا ويتعرفوا، فالآخر هو المشكلة، مع أنه الحل للوصول إلى المجتمع وتوليد دولة، فالنجاح هنا مشروط بالمعايير التي تحقق الوجود المجدي والفاعل والمنتج في هذه الدنيا، ولكن.. ويا للحقيقة…. تم رفض المعايير نفسها، وهذا ما قادها للانقلاب على الذات في تشبيهٍ مازوشي، للشحاذة والتسول، كتعبير عن تخلف مقصود، وليس مجرد حظ منكود أو مؤامرات!

هنا لسنا بوارد اقتراح، أو حل أو نصيحة، فكل شيء موجود في التجربة البشرية، ومن أرادها يستطيع الحصول عليها بدافع الإخلاص للمجتمع، إنتاجاً واستهلاكاً، وإبداعاً، فما نراه في هذه البلدان من تجربة بشرية لمدة قرن وربع، هو من أدق الاجتماعات البشرية تجربةً على الإطلاق، دون أي تطور أو ارتقاء يذكر بالمقارنة مع التجربة البشرية العامة، وحتى بالمقارنة مع بلدان كنا نعتبر أنفسنا أرقى منها إنجازاً، واليوم تنظر إلى خلفها وتكاد لا ترانا (رواندا مثالاً).

إنها الأمية المجتمعية المرض الأشد فتكاً بالاجتماع البشري، المشكلة أن مظاهرها واضحة للعيان والكل يدينها ويمارسها، في أشد حالات الفصام الأخلاقي عرياً.

ليس للعدل وللحرية ولا حتى للكفاية المادية، ولا لأي من القيم العليا، أي قيمة دون مغادرة هذا النوع من الاجتماع البشري مكانه ومكانته، يتوجه إلى المعرفة بالمجتمع، الذي يبنى عليه كل حق وصواب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *