إن طلب الولايات المتحدة للهدنة العسكرية في الإقليم لم يكن نابعاً من حرص على الاستقرار أو احترام للقوانين الدولية، بل أوجبه الصمود الإيراني الكبير الذي نجح في إفشال الخطة الأمريكانية واليهودية، إلى جانب عجز الولايات المتحدة عن استكمال الحرب لأسباب متعددة. فمن جهة، تعرضت قواعدها وقواتها العسكرية في الخليج لأضرار كبيرة، ومن جهة أخرى تضرر حلفاؤها الخليجيون في دورتهم الاقتصادية، كما أصيب جزء وازن من الاقتصاد العالمي نتيجة الأعمال العسكرية في مضيق هرمز. يضاف إلى ذلك خوف ترامب من قيام معارضة داخلية للحرب في الولايات المتحدة، وهو خوف مشروع حين تكون المعارضة بقيادة حزب بحجم الحزب الديمقراطي. ولذلك، فإن هذه الأسباب مجتمعة هي التي دفعت الأميركاني واليهودي إلى وقف استمرار الحرب، فالعجز هو السبب الحقيقي لا أي اعتبارات أخرى، لأن الولايات المتحدة الأميركانية لا تقيم وزنا لقانون دولي، ولا لأعراف سياسية، ولا لقيم أخلاقية أو إنسانية.
وما قامت به المقاومة على جبهة لبنان لا يقل صمودا وبأسا عن الصمود الإيراني، إذ إن فرملة الاندفاع اليهودي تعود بصورة أساسية إلى قوة المقاومة وثباتها، وإلى قدرتها على إيقاع الخسائر في صفوف العدو.
أما مسألة ما إذا كانت الهدنة قابلة للتمديد ووقف الأعمال العسكرية لأمد طويل، أو أن الحرب ستستأنف من جديد، فهذا يعود إلى مزاجية ترامب وإدارته التي لا ترتكز على قواعد سياسية متعارف عليها، لأن إدارة ترامب للشأنين السياسي والعسكري مطبوعة بشخصيته المراهنة، ومن المعلوم أن تجربته الطويلة كانت في مجال المراهنات. فالهدنة في الحروب تؤدي دورين أساسيين: الأول أخذ النفس ولملمة الجراح، والاستعداد لاستئناف الحرب، والثاني الشروع في المفاوضات لكسب ما انتجته الحرب، فإن الذهاب إلى خيار الحرب، بهذا الجنون الترامبي، لا يبدو في مصلحة الولايات المتحدة نفسها.
واليوم تخوض الجمهورية الإسلامية في إيران معركتها الدبلوماسية بالإرادة نفسها التي خاضت بها الحرب، فهي تدرك مصالحها جيدا، وتعرف كيف تصون استقلالها وتحافظ على مواردها، كما تبذل كل ما بوسعها لتثبيت حقوقها القومية. ومن هنا، فهي تسلك مسار المفاوضات دون ألتنازل عن أي حق من حقوقها، لكنها في الوقت نفسه لن تتردد في اختيار الحرب إذا شعرت بأن الأميركاني يحاول الانتقاص من سيادتها، وهذا ما شاهدناه في أرض المعركة، وما نشهده اليوم في حركتها الدبلوماسية.
أما في بلادنا، وخصوصا في فلسطين ولبنان والشام، فقد شن اليهودي حربه على قطاع غزة، ورأينا حجم الوحشية التي مارسها، كما قضم القسم الأكبر من جنوب الشام ومرتفعات جبل الشيخ، وتقدم في جنوب لبنان. وفي غزة استبسلت المقاومة ولم تتخل عن حقها بالمقاومة ولا عن حقنا بكامل فلسطين. أما في الشام، فالسلطة الجديدة متلهية بقشور السلطة.
وفي لبنان، ما زالت المقاومة تسطر صور التضحية والفداء دفاعا عن الأرض والشعب، بينما تتجه السلطة نحو الاستسلام والإذعان للعدو اليهودي والعدو الأميركاني. النصير الأساسي للعدو اليهودي في مواجهة حقنا القومي، وهو الحامي والممول له، والداعم والمسلح.
إن خضوع السلطات في فلسطين ولبنان والشام للإرادة اليهودية والأميركانية، تحت ذريعة أن الحرب مع العدو غير متكافئة، لا يمكن أن يغطي حقيقة العجز والجبن والتآمر. فهذه التبريرات تشكل سكينا في خاصرة الإرادة الشعبية
ونستذكر هنا اجتياح عام 1982 واحتلال العاصمة بيروت، يوم كانت الظروف الدولية والإقليمية أشد صعوبة، ومع ذلك، فعلت المقاومة فعلها بلحمها الحي، وتمكنت من إخراج العدو من العاصمة بيروت، ثم لاحقا من كل لبنان.
أما اليوم، فالمقاومة أقوى بأضعاف مما كانت عليه عام 1982، وهي تمتلك حليفا صادقا اسمه إيران. وقد أدى وقوفها بوجه العدو اليهودي وكل الأطلسي إلى إحداث تغيير في سياسة الإقليم بأسره.
وهذه هي إرادة شعبنا على المستوى الأهلي لا الرسمي، إذ أثبت شعبنا قوة وجدانه القومي، وأكد أن الإرادة الشعبية واحدة وأن المصير واحد. لا الإملاءات الأميركانية واليهودية.
ومن المؤكد أن هذه السلطات تدرك أن هذه الهجرة اليهودية تمثل عدوا مجرما يهدف إلى الاستيلاء على بلادنا وفرض هيمنته على المنطقة بأسرها، فيما يقف الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة الأميركانية، داعما لهذا المشروع. ولذلك فإن أي اتصال بهذا العدو، أو أي انسجام مع سياسات الدول الداعمة له من قبل السلطات في بلادنا، لا يعدو كونه تسهيلا للعدو كي يتمكن من قتلنا وضياع أرضنا.

