بمناسبة السادس من أيار ماري عجمي ومشانق العثملي في دمشق وبيروت

لسنا اليوم أمام سيرةٍ تقليدية، بل أمام تجربةٍ إنسانية نادرة، وُلدت من عمق الألم السوري لتصنع وعياً وأملاً.

ماري عجمي هي البطولة التي صِيغت حبراً، لم تكتب لتملأ فراغاً، بل كتبت لتبني إنساناً… إنساناً يعرف، ويفهم، ويرفض أن يُقاد.

وُلدت في 14 أيار من عام 1888 في حارة الجوّانية في باب توما في قلب دمشق القديمة، في بيئةٍ مشبعة بالأصالة والاعتداد بالهوية. حملت لقب ‘العجمي’ إرثاً عائلياً من جدها تاجر الحلي، لكنها أعادت تعريفه، فبدلاً من صياغة الذهب، انصرفت إلى صياغة الإرادة، وبدلاً من تزيين الأجساد، زيّنت العقول. نبتت إرادتها حين كانت الأمة تواجه أخطر محاولات إلغاء شخصيتها القومية، أولاً تحت وطأة الاستبداد العثماني الذي أراد تحويلنا إلى رعايا بلا هوية، وثانياً أمام مكر الانتداب الفرنسي الذي جاء ليضرب وحدة مجتمعنا ويمزق جغرافيتنا الروحية والمادية.

في تلك المرحلة العصيبة، كان الصمت جريمة، والجهل سلاحاً بيد العدو.

أدركت ماري بوعيها الفطري أن معركة السيادة تبدأ من سيادة العقل، فلم يرضَ قلمها باليسير من المعرفة.

فنهلت من مكتبة نعمان قساطلي وتأثرت بمجلة ‘الجامعة’ لفرح أنطون، ومن هناك أشبعتْ رُوحهَا من العربيةِ وآدَابها قبل أن تتقن الإنجليزية بمهارة. وقد تجلّى تميزها مبكراً حين نشرتْ أوَّلَ مقـالةٍ لها في جريدة ‘المحبة’ وهيَ بعمر الثالثة عشرَ.

بدأت ماري رحلتها المهنية حين عُيّنت معلمة أولى في دمشق، لكن شغفها لم يتوقف عند حدود الفصل الدراسي، فمن دمشق، انطلقت ماري في رحلة فكرية وجغرافية واسعة، تنقلت خلالها بين فلسطين، العراق، لبنان والاسكندرية في مصر.

خلال هذا التنقل، لم يعرف قلمها السكون، فراحت تراسل كبرى الصحف لتخاطب وجدان الأمة الواحد، فكتبت في المقتبس بدمشق، والمهذب في زحلة، والإخاء في حماة، وصولاً إلى الحسناء ولسان الحال في بيروت.

وبعد أن نضجت هذه التجربة الغنية بالمعرفة، عادت ماري إلى دمشق في كانون الأول 1910، لتتوج طوافها الفكري بتأسيس منبرها الخاص «مجلة العروس.»

واجهت ماري المجتمع بمشروع إصلاحي ينادي بأن النهضة لا تكتمل إلا بتحرير المرأة وجعلها شريكة فاعلة في النهضة السورية الوليدة.

لقد كانت العروس مختبراً لبناء (الإنسان-المجتمع) وصوتاً يكسر جدران الصمت، ففيها جمعت ماري عمالقة الفكر مثل جبران خليل جبران، إيليا أبو ماضي، ميخائيل نعيمة، عباس محمود العقاد، وفارس الخوري، أحمد شوقي، ومعروف الرصافي.

وأما في ركن المجلة الذي أسمته «حديث ذو شجون»، كانت ماري توقع مقالاتها النقدية باسم ليلى، لتخوض معركة الوعي القومي والاجتماعي بجرأة نادرة وفي بيروت، التقت بشريك فكرها ونضالها الصحفي بترو باولي، لم يكن بترو مجرد وكيل للمجلة، بل كان صوتاً يتردد صداه مع صوت ماري في معركة الوعي القومي؛ فبينما كانت ماري تصيغ الإرادة في دمشق، كان بترو يشرّع آفاق العروس في بيروت، ليوثقا معاً وحدة الحياة والمصير في وجه التجهيل الممنهج.

بسبب هذه الجرأة، ضاقت السلطات العثمانية ذرعاً بهذا القلم المتمرد، وواجهت المجلة توقفاً قسرياً وملاحقات أدت إلى اعتقال بترو باولي، لتبدأ المرحلة الأكثر قسوة في حياة ماري. ولكن، رغم جرح الفقد، عادت «العروس» للظهور بقوة عام 1918 لتبشر بانبعاث الشخصية السورية، مؤكدة أن السيادة لا تكتمل إلا بالاستقلال الفكري والثقافي الذي لا يُهزم بالسجون. في تلك الحقبة السوداء، عاشت ماري عجمي ويلات سفر برلك، ورأت كيف أراد الاستبداد العثماني إبادة الشخصية القومية عبر تجويع الأجساد ونفي العقول.

ربطت ماري نضالها الفكري بالعمل الميداني، مجسدةً مفهوم المجتمع الحي الذي يتكاتف في الأزمات ليحمي حق أبنائه في الوجود والسيادة.

وعن تلك المأساة، كتبت بأسلوب يقطر ألماً واستنهاضاً: أيها الجوع، يا من غدوت الحاكم الأوحد في بلادنا، ويا أيها الموت الذي تترصد الأحرار في الطرقات، لقد حوّلتم أرضنا الخضراء إلى يباب، وأجساد شبابنا إلى هياكل تسعى خلف لقمة صادرها المستبد.

وعندما بدأت حملة جمال باشا السفاح لتصفية العقول السورية، كان بترو ورفاقه هم من النخبة التي أراد المستعمر إسكاتها. فاعتقله الأتراك وسجنوه.

لم تكتفِ ماري بالرسائل البعيدة، بل مارست البطولة المؤيدة بصحة العقيدة في أبهى وأصعب صورها الميدانية. فبالرغم من أنها كانت تتوكأ على عكازها، إلا أن روحها كانت تمتلك أجنحةً لا تقيدها السلاسل. فكتبت لبترو عبارتها الخالدة:

«أتدري أنك في سجنك أكثر حرية مني؟ إن السلاسل التي يغلّون بها أيدي السجناء ليست بأشد مما تُوجِّه إلى ذاكرتي». وبإرادةٍ قوية، التقت ماري جمال باشا السفاح في دمشق، مطالبةً بإطلاق سراح المعتقلين الأبرياء أو محاكمتهم محاكمة عادلة.

أما في الخفاء، فكانت تدير معركة موازية؛ وتروي الحكايات أنها كانت تستخدم قساطل المياه  لتوصل صوتها إليهم عبر الأنابيب. لقد أثبتت ماري أن المرأة السورية، إذا ما آمنت بقضيتها، استطاعت أن تهز عروش الطغاة.

في صباح السادس من أيار، حين رُفعت المشانق في ساحة المرجة بدمشق وساحة الشهداء في بيروت، لم تكن تلك أعواداً للموت، بل كانت أعمدةً لقيام النهضة. لقد شاهدت ماري بترو باولي ورفاقه وهم يقفون «وقفة العز» الأبدية، تلك الوقفة التي حولت المشنقة من أداة للإعدام إلى منبرٍ لإعلان ولادة الشخصية السورية من جديد.

وفي مشهد مهيب، نادى الشهيد بترو باولي رفاقه وهو يرتقي المشنقة قائلاً: هلموا أيها الأخوان، إنها أرجوحة الأبطال، وأنتِ يا تركيا الشقية، حياتنا في ظلك ممات، ومماتنا في ظلك حياة.

ومنذ تلك اللحظة، تحوّل حزن ماري إلى التزام ولم تعد مجرد حبيبة مفجوعة، بل أصبحت شاهدةً على مرحلة، وصاحبة موقف منها. وعبّرت عن هذا التحول بوضوح حين أكدت: أن الأمة التي هان على أبنائها بذل الدماء لا يصعب عليها الانتصار في ميادين العمل، وأن الوفاء للشهداء ليس بكاءً، بل فعل استمرار وبناء في سبيل السيادة والانتصار.
أما فلسطين الحبيبة أوـ سورية الجنوبية أو القدس الشامية (كما كانت تصفها ماري عجمي فهي لم تكن مجرد جارة جغرافية، بل كانت جزءا نابضا من سورية الطبيعية) ووثقت في ركنها الشهير حديث ذو شجون بمجلة العروس، رؤية استشرافية مبكرة، معتبرة أن معركة فلسطين هي معركة وجود لا حدود.

وحين صدر وعد بلفور عام 1917 كتبت عنه بلسان الأمة: سألونا عن فلسطين والوعد الغريب، ونحن نقول إن الأمة التي لا تحمي ثغورها لا تستحق البقاء في قلبها، كيف نرتضي ببيع الديار ونحن أصحاب الحق والقرار؟

وحين ضاق الانتداب الفرنسي ذرعاً بنشاطها، لم تكتفِ بالقلم، بل آمنت بأن النهضة فعل تنظيم، فأسست مع نازك العابد النادي النسائي الشامي، وجمعية نور الفيحاء، ومدرسة بنات الشهداء.

عندما أغلق الفرنسيون منبرها، حولت منزلها بدمشق إلى صالون أدبي ومركز للعمل الوطني، فكان بيتها بمثابة برلمان فكري تلتقي فيه طليعة الأحرار، مؤكدة أن المجتمع الحي هو الذي يخلق من بيوته قلاعاً للصمود وساحات للسيادة.

في الختام، لم يكن السادس من أيار في وجدان ماري عجمي يوماً للرثاء، بل كان فجر الانبعاث الذي أيقظ روح الأمة. لقد علمتنا ماري أن الشهادة هي فعل حياة مستمر، وأن الوفاء الحقيقي للدماء لا يكون بالدموع، بل بالثبات في ميادين البناء والحرية.

تتركنا ماري اليوم أمام عهدٍ ثقيل، أن نكون الحراس الأوفياء لهذه الأرض، نستحضرها هي وبترو ورفاقهما، لنؤكد أن نهضتنا هي البوصلة التي لن تحيد .

سمر الماغوط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *