قدمت الولايات المتحدة الأمريكية في حربها على إيران منذ شهر شباط الماضي أبشع وافتك ما لديها من اسلحة التدمير الذي لم يجد نفعا امام الصمود والعناد الايراني وهو يخوض معركة وجود وبقاء كما هدد الرئيس الامريكي الذي لا يجد حرجا في القول انه سيعيد إيران الى عصور سحيقة في التاريخ، هذا التصريح المتكرر كان له مفعول سلبي عليه وايجابي على الشعور الايراني العام وعلى التفافه حول قيادته في هذا الصراع الوجودي.
استطاعت الولايات المتحدة ولا شك الحاق الاذى البالغ في الجمهورية الإسلامية ربما يحتاج الى مئات المليارات لإعادة ترميم ما تسببت به هذه الحرب، الا انها عجزت عن الانتصار على ايران او تحقيق اهدافها المعلنة والمضمرة من الحرب على حد سواء، وبهذا تكون الولايات المتحدة قد استنفذت رصيدها في بنك الاهداف، في حين ان رصيد ايران في بنك اهدافها لا زال ثريا، فقد استطاعت الجمهورية الإسلامية نقل بؤرة الصراع من حيث اراد الامريكي بان يكون تحطيم المشروع الصاروخي والنووي واسقاط النظام ومن ازمة إيرانية الى ازمة عالمية بعد سيطرتها على مضيق هرمز وفرض سيادتها عليه، لتسمح لمن تشاء وتمنع من تشاء من عبوره، هذا الامر اصبح اليوم هو العقدة الرئيسة في الصراع، وبذلك تكون قد فرضت واقع استراتيجي جديد من خارج الصندوق الامريكي الامر الذي دفع الرئيس الحائر في مأزقه للإعلان عن عملية عسكرية جديدة تحمل اسم مشروع الحرية لفتح المضيق عنوة وبالقوة العسكرية الأمريكية ،في حين اكد وزير خارجيته مارك روبيو من ان تلك العملية العسكرية ضد ايران التي انطلقت في شباط الماضي قد انتهت ،وان الأولوية الأمريكية اليوم قد اصبحت اعادة فتح مضيق هرمز للملاحة.
لكن طهران استطاعت ان تتعامل بسرعة مع القرارالامريكي الجديد عسكريا مطلقة صواريخ تحذيرية للجوار المشارك في الحرب ، وصواريخ اخرى متبادلة مع البحرية الأمريكية التي فشلت في مساعيها بتمرير ناقلات النفط عبر المضيق، وسياسيا حيث قال رئيس البرلمان الايراني ان لدى بلاده معادلة جديدة لا دارة المرور عبر المضيق وان الولايات المتحدة هي التي دفعت الى تصعيد هذه الازمة العالمية وتقوم بتعريض امدادات الطاقة للعرقلة، فايران هي صاحبة السيادة هناك وعلى اي سفينة تريد المرور ان تنسق معها وتأخذ اذنها وان تلتزم بالسير وفق خرائطها الملاحية، بهذا لن يكون مضيق هرمز بعد الان مجرد ممر بحري وانما اداة ضغط استراتيجي وورقة قوية بيد ايران، والتنازل عنها لن يكون الا بالثمن المطلوب وبحساب دقيق يجعل من يدها الطولى ،لا في المضيق فحسب وانما في كامل الحيز الجغرافي الخليجي.
الاستجابة الإيرانية السريعة وربما الصواريخ التحذيرية دعت السعودية لكي ترفض السماح لواشنطن باستعمال قواعد عسكرية سعودية للمشاركة في العملية العسكرية التي لم تكن تعلم عنها ولم تنسقها واشنطن معها، فتوالت الاخبار غير المشجعة على واشنطن مما دعاها الى انهاء او ( تعليق) عملياتها العسكرية هذه بعد يومين من انطلاقها ودون تحقيق اي من اهدافها، مع ادعاء واشنطن ان ذلك كان بسبب وساطة من باكستان ودول اخرى لم تحددها بالاسم، الى جانب ان هناك مؤشرات ايجابية ـ حسب قول البيان الامريكي لإمكانية الوصول الى اتفاق شامل مع ايران ولكن الرئيس الامريكي يعود ليقول في تصريحات لاحقة بما يفيد ان على ايران القبول بكامل شروطه التي تعني الاستسلام الشامل.
ولعل ما يتداوله الاعلام من اخبار حول اتفاق صيني روسي بالعمل على دعم إيران وابقائها قادرة على المنازلة ـ بالطبع لأسباب تتعلق بالمصالح القومية العليا لكلا البلدين قد يكون صحيحا وانه من الاسباب التي دعت الى وقف العمل العسكري والعودة الى جولة مفاوضات جديدة في اسلام اباد، وان كان السبب الرئيس هو الصمود الايراني وقدرة طهران على ادارة الحرب.
لكن نجاح اي جولة مفاوضات لا زال متعذرا، فلا الولايات المتحدة قادرة على ابتلاع خروجها من هذه الحرب دون نتائج حاسمة، ولا إيران مستعدة للرضوخ للمطالب الأمريكية وهي تستشعر القوة والقدرة على الصمود خاصة بعد ان اضافت الى عناصر قوتها، ورقة السيطرة على مضيق هرمز، هذه الورقة الاستراتيجية المهمة التي اصبحت تتحكم فيها بربع حاجة العالم من النفط والغاز. هذا يعني بكلمات قليلة ان جولات القتال وان تأجلت، ولكنها قادمة لا محالة.


