التفاوض بين الصورة والميدان

الصمت الذي اختارته المقاومة اللبنانية طيلة خمسة عشر شهراً الماضية، بقصد إعطاء الفرص للدبلوماسية اللبنانية وللجنة «الميكانيزم » المدعومة اميركياً وبحضور فرنسي، ثبت انه غير مجدي في تنفيذ مندرجات القرار 1701، فقد استمر العدوان الإسرائيلي في عمليات القتل والاستهداف المباشر للبنانيين من الجنوب الى الضاحية والبقاع، كما استمر في احتلاله وتموضعه، معتبراً ان ضعف «حزب الله» بات يقيناً.

لذا جاء انخراط الحزب في المعركة التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية ومعها تل ابيب على ايران مفاجئا للعدو كما اهل السلطة في لبنان، بعدما باشرت البروباغندا الإعلامية بورشة اخذ لبنان الى الضفة الإسرائيلية الابراهيمية وبحمى واشنطن لذلك كانت مسارعة السلطة، في الثاني من اذار الى قراراتها بحصر السلاح وكيّ الوعي من خلال الزام وسائل الاعلام بتبديل التعابير ونزع صفة العداوة عن دولة «إسرائيل» واعتبار المقاومة ميليشيا مسلحة وجّب نزع سلاحها، قرار الحكومة جاء مدعماً بموقف الرئيس الأعلى للقوات المسلحة في البلاد، بطلب انسحاب الجيش من الجنوب، فاتحاً الباب امام تقدم يسير للعدو الذي اعلن اكثر من مرة انه يريد الوصول الى الليطاني، وافراغ جنوبه من أي وجود مقاوم وكانت معركة «زئير الأسود» التي اطلقتها قيادة العدو والتي سرعان ما تحولت الى «مواء القطط» كما اعلن قياديين إسرائيليين لاحقا. وباشرت المقاومة بعمليات ردع العدوان التي ادهشت السلطة اللبنانية قبل العدو، في معادلات بطولية جديدة من حولا الى بنت جبيل والطيبة حيث الصمود والمقاومة بأبلغ صورها، مكرسة بصواريخها معادلة جنوب فارغ من السكان يعني مستوطنات شمال مهجورة ايضاً.

وجاء وقف النار بعد أربعين يوماً من القتال على جبهتي جنوب لبنان وايران والخليج، في لبنان كان الاتفاق حبراً على ورق بعدما بادرت الدولة اللبنانية الى سحب جبهة لبنان، تلبية لرغبة أميركية ـ إسرائيلية، ومن على طاولة التفاوض في اسلام اباد تزعم «السيادة» ولكنها تنزلق خطوة بعد خطوة نحو التفاوض المباشر، خطوة أولى على مستوى السفراء يليها توريط اكبر تفرضه الإدارة الأميركية للبنان من خلال لقاء المباشر بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون ورئيس حكومة العدو نتنياهو، فالرجل ليس «بعبعاً» حسب رأي سفير واشنطن في لبنان ميشال عيسى (اللبناني الأصل) والذي يتمادى في فرض تدخله في الشؤون اللبنانية الى حد الطلب ممن لا يوافق على مسار الأمور «الى الذهاب واختيار مكان اخر للعيش» !!!

وكان البيان الصادر قبلا أيضا عن السفارة الأميركية قد روجّ لخيار التفاوض المباشر، معللاً نفس السلطة بالآمال وبالازدهار الموعود، وانما الصورة الجامعة للعدّوين اولاً.

الأهمية التي تعطى للصورة توازي بأهميتها المباشرة بالتفاوض نفسه، واشنطن كما لا يخفى على أحد تريد لرئيس حكومة ربيبتها، الذي ورطها في الحرب الإيرانية التي يرفضها الشارع الأميركي، الاستفادة منها في اعتبارها انجازاً لترامب ومزاعمه في «إرساء السلام في العالم»، وانهاء الحروب بالشكل الذي يريده.

إذا الصورة مطلوبة من الادارتين، داعية السلام المزعوم، ومجرم الحرب المدان الذي يمتنع كل رؤساء الدول في العالم عن التقاط صورة جامعة معه.

الى هذا الحد وصل ارتهان السلطة اللبنانية، حدّ «الغرق في فنجان» وعودها للأميركي بالتنازل ضد الشعب، وهنا حيرتها، هل تلبي دعوة واشنطن الى لقاء البيت الأبيض؟، فيما الحرب مشتعلة والابادة البشرية والعمرانية جارية في قرى الجنوب ووقف إطلاق النار ما يزال حبراً على ورق؟

السلطة المنغمسة في مراعاة عواطف أبناء طائفتها على حساب الوطن كله، والتي يقرر خطواتها ومواعيدها مستشاري القصر والفريق المتصهين في البلد الذي سارع بالتهليل لخطوة التفاوض انتقلت اليوم الى حالة تردد بعدما اكدت كل استطلاعات الرأي للشعب اللبناني ،رفضه التطبيع والاستسلام تحت مسمية السلام، وهذا الشعب الذي يصرّ على البقاء خلف المقاومة وصمودها داعماً لمعايير القوة التي تنسجها في الأرض بالبطولة وفي التكنولوجيا على السواء، وتأتي مسيرات الألياف الضوئية (FPV) خير مثال على ابداع يترك العدو عاجزاً يعد كل ما يتكبده من خسائر في البشر والآليات.

هذه المقاومة التي تعبر عن غالبية كبرى من اللبنانيين، تريد السلطة السياسية القائمة، بالغطاء الذي قدم لها، وبإيعاز خارجي ايضاً لرؤساء بعض الطوائف، وبعد تهديدات خارجية بالتصعيد أيضا. تخطي خيار الرفض الشعبي الكبير للتفاوض المباشر ويبقى السؤال ايهما أفضل الصورة مع نتنياهو ام صورة للوطن وقد جلا عنه العدو وقد تم تثبيت حقوقه؟ صورة للوطن الموحد ام صورة لوطن يعود الى التمزق الداخلي مجدداً؟

سياسة تدوير للزوايا تجري الآن من قبل السلطة، في محاولة للحصول على تغطية سياسية وشعبية من خلال تعديل راي الرئيس نبيه بري الرافض كليا للتفاوض خارج إطار الميكانيزم.

المقاومة التي تمنع العدو الى الآن من رسم الخطوط على ارض الجنوب لا الصفراء ولا الخضراء وما زالت تمنعه من السيطرة على الأرض، ومطامع قادته واضحة بتعديل حدود كيان العدو نحو جنوب لبنان وهو لذلك يقوم بالتدمير في محاولة لمحو الذاكرة البصرية للأماكن والقرى دون ان يستطيع التموضع وهو من اجل ذلك استهدف ناقلي الحقيقة من الاعلاميين ابطال، آمال خليل، علي شعيب فاطمة فتوني وآخرين، فباتت تعبر صورتهم هم هي حقيقية العدو، ولا غير ويبقى الثابت انه لا يمكن التنازل عن حقوق الوطن مهما بلغت التضحيات والتقديمات سيبقى القرار الأول والأخير لما يصنعه الميدان لا سياسة الصفقات .

في الحرب الوجودية التي تخوضها امتنا، سيبقى اتصالنا بهؤلاء اليهود والاعداء الغاصبين، اتصال الحديد بالحديد والنار بالنار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *