العالم يتغيّر…! جملة متكررة في مستهل حياة أي شخص يستطيع أن يقرأ الجرائد، أو يستوعب نشرة الأخبار على الراديو أو التلفزيون، أو على منصات البث الرقمي، كمؤشر على تغيّر العالم. فمنذ بدايات القرن الماضي، ودنيا الإعلام تخبرنا بين الفينة الأخرى، عن تغيّر طرأ هنا وهناك ، في عالم السياسة، أو الاقتصاد، أو الاجتماع أو الفن.. إلخ، ولكن هذا الإخبار لا يؤثر بنا نحن سكان شرق المتوسط بشيء، إلا ببعض ترهات من سخرية من هذا التغيّر، أو ذاك، مع بعض التثريب والشيطنة لهذا الادعاء، مما يبقينا في إطار السير في المكانة بشموخ وأنفة، دون حساب الاستحقاقات الموجبة لهذا التغيّر قبل أن يصبح اضطرارياً، ليس بحسابات وصول الموس إلى الذقن، بل بحسابات البقاء والفناء، التي تتساوى مع مصائر التهمج والتحضر، وهنا الامتحان الحقيقي للوجود البشري، فأي شكل للوجود، لا يتماشى مع المتغيّر (كاستيعابه مثلاً)، قبولاً وتفاعلاً، هو تقصير بحق الوجود، تقصير يهدد الوجود برمته، ليس من ناحية استمرار «العيش» بالحد الأدنى فقط، بل من جميع مناحي ونواحي، مسببات البقاء والاستمرار.
هنا لا بد لنا من تذكر بعض المتغيرات المعلنة، على سبيل المثال لا الحصر، فالعولمة التي يمكن اعتبارها سيرورة معرفية لهذه القرية الكونية، تم رفضها من جذورها، وأسميناها العولمة المتوحشة، ورفضنا سياقها، وكأنه لنا الخيار في ذلك، محافظين بانفصالنا اللفظي والخطابي عنا، ولكن العولمة لم تعبأ بنا، بل سارت في طريقها ودعستنا بسنابكها دون انزعاج من صوت تكسر عظام من رفضها، وبقيت الكثير من الحناجر تعلن بصوت عالٍ، أنها حافظت على خصوصيتها كانتصار على العولمة المتوحشة!!!. ولكي نكون أقرب إلى حالتنا وأكثر خصوصية جغرافية، نستمع إلى (غونداليزا رايس) وهي تبشرنا بالفوضى الخلاقة، وشرق أوسط جديد، سخرنا منها من جديد، وفسرنا ذلك كتطبيق من تطبيقات العولمة المتوحشة الخرقاء، ومر ربع قرن ونحن نتخبط بدمائنا، دون أي مسؤول عن هذه الجريمة، ولا حتى مراجعة للمجريات، أو المفاصل، أو المنطلقات الفكرية التي تحكم تصرفاتنا، واكتشفنا أن المسؤول الوحيد هو العولمة وشطحات الرأسمالية القذرة، التي لا يمكن محاسبتها، فأشرنا إليها باسم المؤامرات، التي لولاها لأضحينا منارة العالم معرفياً، كاستجابة لتغيَر هذا العالم المنحط أخلاقياً.
في الشهور الأخيرة، ظهر تطبيقياً ماذا يعني تغيّر العالم، ولكن السؤال الأشد وطأة، هو ماذا أعددنا لهذا التغيّر؟، مع العلم من أن كل المعلومات والمؤشرات الواضحة لدينا ولغيرنا، تفيد بمعنى الانتقال إلى مرحلة تتناسب مع هذا التغيّر بالذات، بمعنى أن الذي لم يصل إلى مكانة معرفية ( الديموقراطية مثالاً) يمكنها التفاعل مع التغيّر، سوف يصار إلى دعسه، والتفاعل هنا ليس انكساراً أو تراجعاً، بل هو إيجاد السبل المعرفية تضع اجتماعنا البشري، على منصة مناسبة للمواجهة على أسس تحضرية أي داخل العالم، فالعدو أو الذي نعتبره عدواً حطمنا بما لا يقاس إلى نتائج حروب عسكرية، فالاجتماع البشري لدينا لم (حسب المشاهدات المعاصرة) يصل بنا إلى أي مكان يمكن اعتباره أرض صلبة للصمود فيها، فالأمة إلى يومنا هذا، هي شرذمة من الأفكار من المحال جمعها، وكذلك الدولة والحكومة، والقانون، وحقوق الإنسان، كلها في خبر كان، فأروبا التي بدأت في وستيفاليا، مشروع الدولة الأمة، صارت إلى أوربا الموحدة، وستصير إلى مجتمع أوربي واضح، بالقوة المعرفية، وهنا نلحظ إن كل من ليس أمة بالمعنى المعاصر، لا يستطيع الانتقال إلى ما هو أرقى منها، والدولة التي لم تصل إلى شكل ومضمون متحقق على الأرض، لن تستطيع أن تكون سوى سلطة، ولا يمكنها الارتقاء إلى أي شكل من أشكال النجاح القائم على الاستثمار المعرفي في الناس، وهكذا دواليك، من استحقاقات الوجود في العصر، الثقافية والاقتصادية، والمجتمعية، وحتى العسكرية، فأين نحن من ملاحظة تغيّر العالم المعلنة والتي لا تحتاج إلى ملاحظة.
الممحي من الوجود، (على الرغم من وجوده فيزيائيا)، لن يلاحظ أنه تلقى آلاف الصفعات، معتبراً إياها على حين غرة، فالممحي من الوجود هو ذاك الكيان الذي لا يعتبر نفسه مسؤولاً بشكل حصري عن تفادي الصفعة، أو مقاومتها، ناهيك عن ردها أو الرد عليها معرفياً، الجميع علم عن سايكس بيكو، و وعد بلفور، ولكننا لم نكن صالحين معرفياً لردها، والحال قائم إلى هذه اللحظة، فلم نعرّف أنفسنا كأمة، ولا كمجتمع، ولا كدولة حقيقية معاصرة، فإلى إين سنذهب أثناء تغيّر العالم، المؤلف من أمم ومجتمعات، ودول؟….. الإنمحاء هو قدر الذين يعلمون، ولا يعرفون.

