هوس الهوية

الهوية … هي منتج بشري مجتمعي حصراً، فإذا كانت نوعية الاجتماع تنتج مجتمعاً فالهوية واضحة ومتمايزة ومفهومة ويمكن الفاهم معها، أما إذا كانت نوعية هذا الاجتماع ما دون المجتمع، فإنها لن تنتج هوية، حتى لو كانت إعلاناتها تتطاير في عنان السماء، والدراسات حولها تتكاثر تكاثر الأرانب في البراري، فالحكم هنا صادر و مبرم ليس هناك هوية دون مجتمع معاصر منتج، وإنما هناك ضجيج هوياتي (نعيق تحديداً) يدلنا على طريق الخراب، من تزوير معنى الدولة إلى الحروب الأهلية، بما يعني فقدان لتكنولوجية الدولة، وهي التكنولوجية المختصة بإدارة «المجتمعات» حصر، وليس تقريباً، وليس ما يشبه، وليس تجمعاً سكنياً حول نهر أو عين ماء، بل هو اجتماع المصالح على التسالم والإنتاج وتقاسم الثروة، وهذا فقط ما يحتاج إلى دولة تديره، التي أصبحت شروط ولادتها من لدن المجتمع، واضحة ومعروفة ومعلنة، بعقد اجتماعي يحدد دورها عبر الدستور والقوانين التي بدورها أصبحت معروفة ومفهومة في أرجاء هذا الكوكب الكروي، ومنه تنبثق الهوية إن كانت كبطاقة أو باسبور، يحدد تمايزك عن باقي سكان الكوكب، أما قيمة هذه البطاقة وهذه الهوية فهي مرهونة بالإنتاج، فما تنتجه المجتمعات هو من يقرر قيمة هويتك، (أنظر في ترتيب قوة البسبوارات حسب قوة المجتمعات ودولها).

لا شيء يحدد الهوية في هذا العصر سوى الانتماء إلى دولة تدير مجتمعاً، وهذا ما يقود إلى أن الهوية شأن حقوقي خالص، يعنى بحقوق الفرد وواجباته تجاه العالم ككل، أما الباقي من مظاهر التمايز فهو فلكلور، مهما على شأن التنظير الثقافي حوله، فالتشارك مع العالم بهوية متمايزة، لا يعبىء بأي فلكلور، وهو ليس بالأساس من مقومات الهوية المجتمعية القائمة على المصالح، وإلا الشقاق سوف يقع بين سكان قرية ما على طريقة الدبكة، فالتمايز هنا موجود ومعترف به، ولكنه لا يشكل مصلحة عليا للقرية، فكيف فيما إذا وسعنا البيكار، وتكلمنا عن بلاد فيها الكثير من الفلكلوريات الضرورية والهامشية، هل نتركها لتفعل فعلها الانقسامي حفاظاً على قيمة الفلكلور، الذي لا يرقى مجتمعياً ليعبر عن هوية، إلا في حال موات الهوية المجتمعية، التي تؤسس للاستمرار وترتقي بسلاسة مع استحقاقات العصر.

على الرغم من كل التنظيرات (وهي كثيرة جداً) حول الهوية، وهي في جل الأحوال هزلية ومضحكة، لإنها تناقش الفلكلور، وليس الثقافة الحقوقية المؤدية إلى نشوء المجتمعات وتوليد دولة، وهي تفترض (التنظيرات) استزادة بالعلم حول مفهوم الهوية والهويات المنفردة والمتداخلة، الجزئية وشبه الكلية، إلا أنها وعلى الغالب كلام لا تطبيقات عملية له، بمعنى استزادة في جهل المطلوب، فأي كان لا يستطيع صياغة مجتمع على توحيد «الدبكة» وأمثالها من المنتجات الثقافية والأيديولوجية، لإنها من خارج الحقل المعرفي لتأسيس المجتمع وتوليد دولة منه، بالإضافة إلى كونه أطروحات شقاقية، فليس من أيديولوجيا حتى لو كانت عظيمة عصية على الانشقاق، والاشتقاق، والتقسيم والتبعثر، ولا يوجد في التاريخ كله من أيديولوجيا مهما جمعت من أنصار بقيت دون انشقاقات، إن كان بسبب الارتقاء، أو بسبب الحصول على السلطة والاحتفاظ بها، وهذا من أعمق مسببات التخلف، الذي يفسر بتقديس الأيديولوجيا وتحويلها إلى هوية بقوة التسلط، وهنا يبدأ الفشل بالإنتاج،( أو يستمر إذا كان قد بدأ سابقاً)، وتفشل الهوية بالتمايز مهما كان الادعاء بالعمق العلمي عالياً، لإنه لا إنتاج مقصود يدعم ويحمي هذا الادعاء، فامتحان الإنتاج إجباري لكل اجتماع بشري، ومتوالية الرسوب والفشل، لا تنكشف أمام أعضاء هذا الاجتماع، ولا أحد يصارح الناس أن هذا ليس «مجتمعاً»، وهو عقيم عن إحداث دولة، ومن البديهي أن يعاني هذا الاجتماع الجوع والعطش، وشح الطبابة، وقلة الكهرباء، والأمية الثقافية، وكل ما يدعم الهوية المؤجلة، بذريعة الأولويات التي لن تنتهي، إلا بقيام ورشة الإنتاج المجتمعية.

بغض النظر، أو حتى بتجاهل الهوية أو الهويات التي ينظّر فيها ولها، فالهوية هي البطاقة التي تمنحها لك، الدولة أو اللادولة التي تنتمي إليها نظرياً، أما عملياً فقيمة دولتك (إذا كانت دولة بالمعنى المعاصر) هو ما يعطيك مكانتك، فإذا كنت مواطناً في وطن منتج ذي دولة شأن، أو تكون من بلاد يحكمها أسياد ويسكنها عباد، شأن آخر تماماً….. فالمسافة بين الكرامة والمهانة…. هي مسافة دولة، إما أن تكون دولة معاصرة حقيقية، أو المهانة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *