في اللحظاتِ العصيبةِ التي تمرُّ بها أمتُنا، حين تتعرّضُ أرضُنا لاعتداءاتٍ همجيةٍ تستهدفُ الإنسانَ والعمرانَ معاً، فتُهَدَّمُ المنازلُ وتُدمَّرُ القرى والبُنى التحتية، ويُقتلُ الأبرياءُ ويُشرَّدُ الآلافُ من أبناءِ شعبِنا، لا يبقى السؤالُ: مَن المسؤول؟ بل يصبحُ السؤالُ الأشدُّ إلحاحاً: ماذا نفعل؟ وأين يقفُ كلُّ واحدٍ منّا في هذه المعركةِ التي تمسُّ وجودَنا وكرامتَنا ومستقبلَ أجيالِنا؟
وفي قلبِ هذه العاصفة، يقفُ الحزبُ السوريُّ القوميُّ الاجتماعيُّ في الوطن، إلى جانبِ شعبِه، مؤدِّياً واجبَه القوميَّ بكلِّ ما أوتيَ من إمكانات. فهو يواجهُ المرحلةَ على مختلفِ الجبهات: إعلاميّاً، وسياسيّاً، وثقافيّاً، واجتماعيّاً، ويساهمُ، قدرَ استطاعتِه، في تخفيفِ معاناةِ الناس، من خلالِ متابعةِ قضاياهم، وتأمينِ الإيواءِ للنازحين، والوقوفِ إلى جانبِ العائلاتِ المتضرّرة، والعملِ على صونِ الوعيِ القوميِّ في زمنِ التشويشِ والاضطرابِ والمواقفِ الاستسلامية. غيرَ أنّ معركةَ الأمةِ لا تُخاضُ في الوطنِ وحده، فالمغترباتُ لم تكنْ يوماً بعيدةً عن صراعِ الأمةِ ومصيرِها، بل كانت دائماً امتداداً حيويّاً لقوّتِها وسنداً أساسياً لنضالِها.
لقد أدركَ أنطونُ سعاده هذه الحقيقةَ مبكّراً، فخاطبَ السوريينَ المغتربينَ مؤكِّداً أنّ ابتعادَهم الجغرافيَّ لا يُسقطُ مسؤوليتَهم القومية، بل يضاعفُها. فقد قال لهم: «لا تقولوا ما لنا ولما يحدثُ في الوطنِ الذي هجرناه، فأنتم سوريونَ وشرفُكم مقيّدٌ بشرفِ سورية.»[1] وأضاف: «لا تقولوا: وماذا نستطيع ان نفعل من هذا البعد الشاسع عن بلادنا وعن مركز الحركة. لا تكونوا قليلي الثقة بأنفسكم.»[2] كما حذّرهم من الانخداعِ بحرياتِ الأممِ الأخرى إذا بقيتْ أمتُهم رازحة تحتَ العدوان، فقال: «فإذا لم تكونوا أحراراً من أمّةٍ حرّةٍ فحريّاتُ الأممِ عارٌ عليكم.»[3]
بهذه الكلماتِ وضعَ سعاده المغتربَ أمامَ حقيقةِ دورِه، وجعلَ من وجودِه في العالمِ قوةً معنويةً وماديةً لخدمةِ قضيتِه. هذه القوة، برأيي، تستطيع ان تفعل في سبيل الوطن والأمة ما يأتي بنتائج كبيرة بشرط توظيفها في أطر الخطة النظامية الدقيقة وغاياتها العظمى.
وقد كتبَ سعاده في مطلعِ شبابِه، في البرازيل عامَ 1925، منتقداً تقاعسَ الجالياتِ السوريةِ عن مواجهةِ النشاطِ الصهيونيِّ المنظّم، ومشدِّداً على أنّ العملَ الفرديَّ لا يكفي، وأنّ مواجهةَ الخطرِ تتطلّبُ تنظيماً وخطّةً واضحة.[4] ومنذ ذلك الوقت، وضعَ الأساسَ لفكرةِ أنّ المغترباتِ ليست مجرّدَ أماكنَ للعيشِ والعمل، بل مواقعَ متقدّمةً للدفاعِ عن قضيةِ الأمةِ ونشرِ وعيِها.
إنّ انتشارَ أبناءِ شعبِنا في قاراتِ العالمِ يشكّلُ قوّةً معنويةً وماديةً كبيرةً إذا أُحسنَ توظيفُها. فالمغتربونَ قادرونَ على أداءِ دورٍ فعّالٍ في شرحِ حقيقةِ ما يجري في وطنِهم، وكشفِ طبيعةِ العدوانِ وأهدافِه، والتصدّي لحملاتِ التضليلِ الإعلاميِّ التي تحاولُ تشويهَ الحقائقِ وتبريرَ الجرائم. كما يستطيعونَ التواصلَ مع الرأيِ العامِّ في البلدانِ التي يعيشونَ فيها، وبناءَ جسورِ التضامنِ مع قضايا شعبِهم، والدفاعَ عن حقوقِه في المحافلِ الثقافيةِ والإعلاميةِ والسياسية.
ومن واجباتِ المغتربينَ أيضاً الحفاظُ على الهويةِ القوميةِ في الأجيالِ الجديدة، وتعليمُ الأبناءِ اللغةَ والتاريخَ والقيمَ القومية، وربطُهم بوطنِهم روحياً وثقافياً، لأنّ المعركةَ ليست عسكريةً فقط، بل هي أيضاً معركةُ وعيٍ وانتماء. إنّ الأمةَ التي تفقدُ أبناءَها في الاغترابِ تفقدُ جزءاً من قوّتِها، أمّا الأمةُ التي تحافظُ على رابطِ أبنائِها بوطنِهم فتُعزّزُ قدرتَها على النهوضِ والصمود.
ولا يقلُّ أهميةً عن ذلك الواجبُ الإنسانيُّ والاجتماعيُّ تجاهَ أهلِنا في الوطن. فالمحنةُ التي يعيشُها شعبُنا اليومَ تتطلّبُ تضامناً فعلياً، من خلالِ دعمِ العائلاتِ المتضرّرة، والمساهمةِ في حملاتِ الإغاثة، وتأمينِ ما أمكنَ من وسائلِ العونِ لتخفيفِ معاناةِ الناس. إنّ أقلَّ ما يمكنُ أن يقدّمَه المغتربُ هو أن يقفَ إلى جانبِ شعبِه في هذه الظروفِ القاسية، وأن يمدَّ يدَ العونِ لأهلِه الذينَ يواجهونَ القتلَ والتهجيرَ والدمار.
لكنّ الدورَ المطلوبَ لا يقتصرُ على الدعمِ المادي، بل يشملُ أيضاً العملَ الثقافيَّ والفكريَّ والإعلامي. فالمثقفونَ والأدباءُ والفنانونَ في المغترباتِ مدعوونَ لإنتاجِ الأعمالِ التي تعزّزُ الوعيَ القومي، وتُبرزُ حقيقةَ قضيتِنا، وتُظهرُ الوجهَ الحضاريَّ لأمتِنا، وتزرعُ في نفوسِ الأجيالِ الجديدةِ روحَ الانتماءِ والثقةَ بالذات. فالثقافةُ، كما أدركَ سعاده، إحدى أهمِّ أدواتِ النهوضِ ومواجهةِ التحديات[5].
ولو كان سعاده بيننا اليوم، لكرّرَ نداءَه إلى المغتربين، داعياً إيّاهم إلى تحويلِ وجودِهم في العالمِ إلى قوّةٍ منظّمةٍ في خدمةِ الأمة. فقد دعا الجاليةَ السوريةَ إلى أن تكون «جماعةً قويّةً قائمةً بنصيبِها من العملِ الذي يفرضُه عليها واجبُ الكرامةِ وواجبُ المصلحةِ نحوَ الوطن»[6]، مؤكِّداً أنّ مسؤوليةَ المغتربينَ لا تتحقّقُ بالكلامِ، بل بالفعلِ المنظّم. كما شدّد على أنّ النداءَ إليهم هو «نداءٌ إلى العملِ القومي، إلى التعاونِ بإخلاصٍ على توليدِ قوّةٍ ماديّةٍ وروحيّةٍ يمكنُنا أن نعتمدَ عليها حينَ الحاجة.[7]
إنّ الأمةَ التي تملكُ أبناءً في الوطنِ والمغتربِ يعملونَ بروحٍ واحدةٍ لا يمكنُ أن تُهزم، لأنّ قوّتَها تصبحُ موزّعةً في كلِّ مكان. وقد شدّد سعاده على هذه الحقيقةِ حين قال إنّ «كلَّ سوريٍّ أينما كان مسؤولٌ عن الذلِّ الضاربِ أطنابَه في بلادِه»[8]، وهو قولٌ يحمّلُ المغتربَ مسؤوليةَ المشاركةِ في إزالةِ هذا الذلِّ، لا الوقوفِ موقفَ المتفرّجِ عليه. ومن هنا، فإنّ وجودَ المغتربينَ في العالمِ ليس ابتعاداً عن القضية، بل موقعٌ متقدّمٌ لخدمتِها، لأنّ معركةَ الأمةِ شاملةٌ تمتدُّ إلى كلِّ ميدانٍ سياسيٍّ، وإعلاميٍّ، وثقافيٍّ، واقتصادي.
فالمغتربونَ اليومَ مدعوونَ لأن يكونوا جزءاً حيّاً من معركةِ الصمود: ينشرونَ الحقيقة، ويعزّزونَ التضامن، ويدعمونَ صمودَ شعبِهم، ويحافظونَ على هويةِ أجيالِهم. وهم مدعوونَ أيضاً إلى التحرّكِ في ساحاتِ البلدانِ التي يعيشونَ فيها، والتظاهرِ مع شعوبِ العالمِ ضدَّ ما يتعرّضُ له وطنُهم من قتلٍ وإبادة ودمار، والمطالبةِ بإدانةِ العدوانِ ووقفِ الحرب، وفضحِ الجرائمِ التي تُرتكبُ بحقِّ المدنيين. وحين تتكاملُ طاقاتُ الوطنِ والمغترب، تتحوّلُ الأمةُ إلى قوّةٍ واحدةٍ متماسكة، قادرةٍ على النهوضِ مهما عظمتِ التحديات.
فلنكن جميعاً، في الوطنِ والمغترب، على مستوى هذه المسؤوليةِ التاريخية، ولنحوّل انتشارَنا في العالمِ إلى طاقةِ دعمٍ وصمود، ولنثبت أنّ الأمةَ التي تتكاتفُ قواها لا تُهزم، بل تنهضُ من جراحِها أكثرَ وعياً وصلابةً وإيماناً بقضيتِها.
[1] راجع “نداء الزعيم إلى السوريين عبر الحدود”، أنطون سعاده. الآثار الكاملة – الجزء الرابع، ص 19.
[2] المرجع ذاته.
[3] المرجع ذاته.
[4] راجع بحث “القضية القومية الصهيونية وامتدادها” في أنطون سعاده. الآثار الكاملة – الجزء الاول (مرحلة ما قبل التأسيس 1921- 1932) ص 170.
[5] محاضرة الزعيم في مؤتمر المدرسين، النظام الجديد، المجلد 1، العدد 5، يوليو/ تموز ـ أغسطس/ آب 1948.
[6] أنطون سعاده، “القضية القومية الصهيونية وامتدادها”، ص. 169.
[7] المرجع ذاته.
[8] “المرجع ذاته.

