لبنان بين فكي كماشة الاحتلال ودولته

كان لافتاً خلال انعقاد الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن، والتي انعقدت لبحث التطورات في جنوبي لبنان بناء على طلب الرئيس ماكرون وليس الحكومة اللبنانية، مشهد مندوب دولة الكيان الإسرائيلي الغاصب وهو يشكو لمندوبي دول العالم، كيف تهزمه مقاومة لبنان بالمسّيرات الضوئية، وهو يحمل بيده نموذجا لها، شارحاً كيف تنقض على جنودهم وترديهم دون ان يكون هناك وسيلة لردعها، لا نهاراً ولا ليلاً.

مشهد يعيد لأذهان الشرفاء لحظات الغيظ والغضب والحزن على شهداء وجرحى البيجر، في عملية الغدر التي افتخرت بها دولة العدو، كاشفة عن دورها في أفظع جريمة غدر تحصل عندما أهدى نتنياهو نموذجاً مذهباً للبيجر الى الرئيس الأميركي ترامب وهو مزهو فخور.

بين المشهدين وما فيهما معاني كثيرة، فالمقاومة استعادت  تثبت اقدامها والقتال بثبات وصمود وعزم لدحر العدو الذي تمكنت من استنزافه رغم كل  قدراته ورغم  ترحيله  الجنوبيين وتدميره لبيوتهم وارزاقهم وابنائهم، جاعلا منهم لاجئين مشردين وتحت وطأة تضييق السلطة اللبنانية وصهاينة الداخل الذين افلحوا جيدا في تنفيذ المشروع الأميركي الصهيوني بإفراغ الجنوب وتشتيت قواه، ووضع الجنوبيين بين فكي كماشة، او الموت او التهجير.

الابابيل هي  مسّيرات الالياف الضوئية شاغلة بال القيادات الأمنية والسياسية في دولة الكيان، ورادعته عن تحقيق تموضعاته التي يريدها وتثبيت خطوطه تارة الصفراء والخضراء والزرقاء ، الى جانب الكمائن والصواريخ والعمليات النوعية الفائقة الدقة والتخطيط والبطولة، كل هذا الزخم الإيجابي والتفاف بيئة المقاومة حول أبنائها رغم عظيم التضحيات لم يدفع السلطة اللبنانية الى الاستفادة من ذلك بل هي  استمرت تتعاطى بعقلية  ترفض  مواجهة العدو وتردع المقاومة وتريد اخضاعها ولو كان الثمن الأرض وخسارتها ، والارزاق وتدميرها راهنة كل ذلك للوعود وممن؟ من عدو يستمر بتوسعه في فلسطين واراض عربية، لا تردعه مواثيق الاتفاقيات «سلام» وأبرز دليل «أوسلو» وكيف ابتلعت كل نصوصه؟ هي رهنت نفسها الى الداعم الأميركي السمسار الذي لا تهمه حقوق شعوب، بل الثروات والموارد.

الخلل الأول كان انزلاق السلطة اللبنانية الى فخ التفاوض المباشر وصولا الى توريط الجيش اللبناني وضباطه في تفاوض أمني وفي ترتيبات تنخرط بها دون إصرار منها على بند اول ونهائي هو وقف إطلاق النار، ذهبت دون جدول اعمال لمطالب لبنان فلا وقف للتدمير ولا ضمانات للإعمار اوالعودة.

في المقابل هناك  عدو متمرس  يسير وفق مخططاته  لتثبيت «سلامه المزعوم» مع لبنان  والفرصة سانحة لعدو يبغي من خلال معاهدات السلام  تكبيل  العرب بترتيبات امنية تتيح له  تطبيع العلاقات وإلغاء المقاطعة الاقتصادية ثم تحصين وجوده بوقف الدعاية اللاسامية واللا صهيونية وتحسين صورته في  وسائل الاعلام ثم في المدارس ومناهجها ، دون ان يغفل هدفه: بتوطين اللاجئين  الفلسطينيين في البلدان التي لجأوا اليها ولا مشاريع استيطانه  في الجنوب  ليهود اعلنوا جهارا عن مطامعهم  بالأرض وأيضا  بالموارد  والثروات وتحت عنوان التعاون الإقليمي .

وأخطر ما يتمسك به قادة العدو هو اصرارهم على ما يعتبرونه «الجدران الواقية» وهذه السياسة الاستراتيجية يشدد عليها نتنياهو في كتابه (مكان بين الأمم) «وهو يقصد كل المناطق التي سبق وسيطرت عليها «إسرائيل» في حروبها السابقة وحديثا في الجولان وفي الجنوب اللبناني حيث مصادر المياه والليطاني

والذي يعني السيطرة على جبل عامل، ان بشريط أمني او على شكل «المنطقة الاقتصادية».

الأمر الأهم ان الدولة اللبنانية المتنازلة تذهب الى العدو بينما ميثاقها الوطني وهو الطائف يعتبر «إسرائيل» دولة عدوة، وكذلك دستورها يقاضي كل من يتواصل مع العدو الإسرائيلي. فهل تريد الدولة ميثاقا وطنيا جديدا بينما الانقسام الوطني قد وصل الى مداه الأقصى؟

البلد المنقسم على نفسه تبدو سلطته وكأنها قد تنازلت عن الجنوب، وتداعيات نزوحه ان طالت والا لما اكتفت بوقف نار بحدود بيروت والضاحية، وغير شامل لكل لبنان.

انه فصام نفسي لا مثيل له لدى السلطة اللبنانية بعدما بات هاجسها الأكبر مراضاة واشنطن ولو بإغراق البلد في بيانات المشتركة وترتيباتها الأمنية الغامضة النتائج لكن ما تجنيه هو المطلب الأكثر أهمية وهو ابعاد لبنان عن محور الممانعة وإيران علما ان طهران أصرت دوما على تبني مواقف اللبنانيين واهل الأرض ومساندتهم ولو أدى ذلك الى اغلاق المضائق من هرمز مجدداً الى باب المندب. 

 السؤال بعد كل التطورات، كيف ستتدحرج الأمور مستقبلا؟ وهل تستطيع واشنطن ردع تل ابيب عن تنفيذ خياراتها التوسعية والعدوانية بعد رفع الغطاء الكامل من قبل السلطة اللبنانية عن المقاومة وحزب الله؟ السلطة اليوم باتت في صف واحد مع الأميركي والعدو الإسرائيلي، كما أعلن وزير خارجية واشنطن روبيو وايضاً كاتس وزير الحرب الإسرائيلي، عن الاحتفاظ بحقهم في شن الضربات على اهل الأرض وصولاً الى بيروت.

البيان المشترك بين دولة العدو والحكومة اللبنانية مدعوماً من الإدارة الأميركية المنحازة للعدو مخاطره أكثر من اية فائدة يعلل بها البعض نفسه والخوف الأكبر انه يشرع الباب لمشاريع التقسيم الطائفي التي تعود كأفعى مشرئبة العنق والكلام   المسرب حول هذا الامر خطير للغاية.

إذا سيسجل التاريخ على الدولة اللبنانية انها سارت لنهايتها بأقدامها، بعدما تخلت عن نصرة شعبها واهل ارضها. دولة لم تسع لأي اخاء وطني، بل مشت طواعية الى سقوط حتمي، اما الشعب الرافض للذل فلن ينحني والى انتصار يحققه بيديه والشرفاء في هذا العالم ، في حربنا الوجودية لا مكان لأنصاف الحقائق او الصفقات التي تحفظ الرؤوس بل الهاجس ان تبقى البلاد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *