لا شك في أننا نشهد اليوم مرحلة صعود الإمبراطوريات الكبرى، التي تسعى الى الهيمنة على العالم بأسره واقتسام ثرواته من خلال الحروب الشرسة والقتل والتدمير المنهجي الوحشي لكلّ بلدان العالم هذا النهج يفتح من جديد سيرة الطغاة عبر التاريخ منذ أوّل الخليقة إلى يومنا الحالي.
هناك حكايات يستحقّ التوقف عندها وأخذ العبر، فالطاغية هو إنسان تجتمع لديه كل العقد التي اكتشفها علم النفس أو حتى تلك التي لم يكتشفها بعد، وأهمّها النرجسيّة والسيكوباتية والإجرام اللامحدود، لكن في النهاية لكلّ طاغية حساب عسير مهما تكبّر أو تجبّر.
عبر تتابع حقبات التاريخ شهدنا على حصول تحوّلات كبرى تبدّل الأمر الواقع وتغيّر الظروف السائدة ولا شيء يبقى على ما هو.
بداية نبدأ من قصة الملك النمرود في التوراة، يُعتبر الملك النمرود من أوائل طغاة العالم، هو الذي أمر ببناء برج بابل الشهير ليصل إلى ربّ السماء كي يتحدّاه ويقلل من قوّته وقدرته وقد سجّل بعمله هذا أول موقف لطاغية في التاريخ في تبجّحه وجنونه، وربما اشتُقّت عبارة «النمردة» من اسم النمرود، أما القصّة فلا تنتهي عندما انهدم البرج وتبعته بلبلة الألسن، بل ثمة تتمة للحكاية حول نهاية الملك النمرود الطاغية وطريقة وفاته.
يُحكى أن فراشة طنّانة دخلت صدفة أذن النمرود وعانى جرّاء ذلك من ألم شديد بحيث لا يستكين صوت الطنين، لا ليلا ولا نهارا فما كان لدى الملك النمرود من حلّ سوى واحد من أسوأ ما يكون:
الوقوف على قارعة الطريق يطلب من المارّة أن يكيلوا له الضربات على رأسه حتى تخرج الفراشة المزعجة ويرتاح من الطنين. لكن مع الأسف الشديد لم يفلح هذا العلاج ومات الملك النمرود إثر ضربة قوية كالها له أحد المارّة. كانت ضربة تفوق الحدّ المطلوب في عنفها فقتلته على الفور.
في حكايات أخرى من التاريخ نجد أحيانا من يظلم البيعة والشعب، ولكن تحصل معه أحداث قد تبدّل من سلوكه السيّء وتجعله يعود الى صوابه. من تلك الحكايات ما نقله لنا الطرطوشي عن عبد الملك بن مروان.
حكى الطرطوسي أن عبد الملك هذا، انتابه أرق شديد منعه من النوم فاستدعى من يحدّثه فأخبره قصة رمزيّة:
كان في الموصل بومة وفي البصرة بومة فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة ابنتها لابنها، فقالت بومة البصرة لا افعل ان لم تجعلي لي صداقها مئة ضيعة خراب فقالت بومة الموصل لا أقدر على ذلك الآن ولكن إن دام حكم وليّنا سلّمه الله سنة واحدة بعد فعلته!
حينئذ استيقظ عبد الملك من غفلة طاغوته وجلس للمظالم وأنصف الناس!
نحن بدورنا نتمنّى ان يستفيق طغاة العالم من غفلتهم، علّهم يستقيمون ويعودون الى صوابهم ويرحمون عباد الله المظلومين في كل بقعة من بقاع الأرض!
وبعد ماذا نتمنى وقد عزّ علينا التمنّي، هل تحصل المعجزة مع رجل من طينة دونالد ترامب؟ كأن يحضر عليه في الليل ملك الموت، يزوره في الحلم فيرعوى ويبدّل من سلوكيّاته الحربية وأطماعه واطماع شركائه، الذين يمعنون في خراب الكون؟
بقي لنا أن نسأل عن نوعيّة الأحلام التي يشاهدها ترامب، أم أنه ينام ملء جفونه عن «شوارد» هذا الكون وعذاباته، ينام نوما عميقا لا يشعر معه بأي ذنب أو تبكيت ضمير ولمَ لا فهو الحاكم «بأمر الله» المطلق ومن مآثره ادّعاء الألوهيّة وآخر ما جادت به قريحته؛ التصدّي لبابا روما بعد تصريح البابا خلال زيارته إلى أفريقيا:
قال بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر أن العالم يتعرّض للتدمير على أيدي حفنة من الطغاة وفي المقابل اعتبر الرئيس الامريكي دونالد ترامب أن بإمكان البابا قول ما يحلو له بشأن القضايا العالمية لكن عليه ان يدرك واقع هذا العالم البغيض وهنا نسأل ترامب من الذي جعل هذا العالم بغيضا؟
لقد بدأ السجال بين البابا وترامب بعد ان وجّه بابا روما انتقادات لسياسات الإدارة الأمريكية لاسيما تلك المتعلقة بالحرب على إيران وبسبب حكومة ترامب التي تضطهد المهاجرين الضعفاء وكان البابا صريحًا حين قال الويل لمن يُخضع الأديان واسم الرب لأهدافه العسكرية والاقتصادية والسياسية الشخصية. لكن وقاحة الطاغية لا تعرف حدودا.
بانتظار الفراشة الطنّانة كي تقوم بعملها المبارك علينا أن نقوم بعملنا وواجبنا وهو مواجهة الطغاة كما قال انطون سعاده
لا بأس أن نكون طغاة على المفاسد، لأن قضيتنا ليست إلا قضية الحق والخير والجمال.

