نظامنا الطائفي المُسمّى «ديمقراطية توافقية»

لو نجح النظام الطائفي للدولة اللبنانية في توحيد المجتمع بجميع فئاته والوانه، ولو استطاع أن يخلق قواسم مشتركة بين أفراده، ولو ساهم في بلورة مفهوم الوطن والمواطن، لربما كان أفحَم من طالب ولا يزال يطالب بمجتمع مدني، وبفصل بين الدين والدولة، وبعلمانية، مع العلم أن العلمنة لا تعني البتة الكفر بالدين، بل الفصل بين المضمار الروحي والمضمار الزمني السياسي. بدلاً من هذا، أسس النظام الطائفي لشرخ عميق بين مكونات المجتمع، ولحروب دامية متكررة في تاريخ لبنان الحديث، وكوّن عاملاً مركزياً في عدم الاستقرار بإضافته المادة 95 إلى الدستور اللبناني التي ترسّخ توزيع السلطة بين الطوائف الرئيسية، فاصبح البلد عرضة لاهتزازات دائمة بسبب التكالب على السلطة، وبسبب تقلّص أو اتساع طائفة ما، أو بسبب الدعم الخارجي الذي تحوز عليه طائفة في مواجهتها للطوائف المنافسة، أو بسبب التقدم الاجتماعي ـ الاقتصادي، أو الثراء المادي لإحدى هذه المجموعات الطائفية؛ كل ذلك يحصل باسم «الديمقراطية التوافقية»!

 والحال ان ادراج النظام الطائفي تحت خانة «الديمقراطية» لا يعدو كونه عملية خادعة اذ انه في الأنظمة الديمقراطية أي تغيير يطرأ على المزاج العام للمواطنين يظهر من خلال الانتخابات النيابية، والانتخابات الرئاسية، والانتخابات البلدية التي تفتح المجال للمواطن أن يعكس مسار السلطة الحاكمة، فتظل البلاد في حالة مستقرة لأنها تتبع إرادة الشعب الجامعة، بينما نجد ان الشعب لا يستطيع تغيير مفاعيل النظام الطائفي عبر أي عملية انتخابية ما يؤدي إلى تشنّج ومواجهة وحروب بين الطوائف في محاولة لفرض رأي وهيمنة احدى الطوائف على الأخرى، وينتج عن ذلك عدم تطّور المجتمع في أفضل الحالات، وتدميره في أسوئها.

وبدلاً من أن يكون المواطن/المواطنة المرجع الأول والأخير للقرارات التي تمسّ حياته ومصيره، يتحوّل إلى ضحية، اذ تسلبه مرجعيات الطوائف ورؤوسها حقوقه، وتفرض عليه واجبات ليس في مقدوره أن يرفضها أو يغيرها. اذّاك، لا يجد المواطن/ة أمامه أي مرجعية يلجأ اليها للاعتراض على ممارسات هذا النظام الذي يقمع الحريات الفردية، وحرية الاختيار، فالنظام الطائفي نظام لاديمقراطي، وقمعي لأنه لا يعترف بحرية المواطن، أو حتى بوجود مواطن أصلاً، فاللبناني اما مسلم أو مسيحي، وهو ينتخِب أو يُنتخَب على أساس ديني ومذهبي.

ان التركيبة الطائفية التي ابتدعها لبنان تدمّر الوطن والمواطن للأسباب التالية:

 أولاً، تؤدي الطوائف دور الحاجز والمانع من تواصل المواطنين بعضهم مع بعض، لأن التواصل والالفة والتزاوج بين أعضاء الطوائف يؤدي إلى انهيار النظام الطائفي، فهذا الأخير تأسس على مبدأ التفرقة بين المواطنين، ومنعهم من النظر إلى أنفسهم كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، لا بل ان بعض الطوائف تنظر إلى غيرها على أنها عدو يجب مجابهته والقضاء عليه وشلّ قدراته، وعدم السماح له بالوصول إلى السلطة والسيطرة على مقدرات البلاد.

ثانياً، يشدّد هذا النظام على الخلافات والاختلافات بين اللبنانيين، لأن قيام أي مشروع مشترك سيُضعف نفوذ الطوائف، لذلك تنشب مشادات وتوترات دائمة ضمن مراكز القرار ما يؤدي إلى انعزال المواطنين بحسب طوائفهم، وتقوقعهم ضمن دوائر جغرافية أحادية المذهب الديني.

ثالثاً، السمة البارزة لهذا النظام هو الجمود والشلل والتكلّس، فكل اقتراح يقدمه راس طائفة يُجابه تلقائياً بالرفض من طائفة أخرى خشية أن ينجم عن هذا الاقتراح مسّ بمركزها في السلطة وانتقاص لصلاحياتها، ما أدّى إلى عدم تقدّم الدولة اللبنانية خطوة إلى الامام كما نرى في أدبيات الكتّاب منذ استقلال لبنان عام 1943 وحتى يومنا هذا.

رابعاً، برهنت التجربة التاريخية ان النظام الطائفي يعيد استنساخ الطبقة الحاكمة ذاتها مهما تغيرت الاحداث السياسية الداخلية أو الإقليمية والدولية، لأن هذه الطبقة تمثّل مصالح الطوائف لا مصالح الوطن والمواطن.

خامساً، كي يحافظ هذا النظام على وجوده وديمومته، يعارض الالمام بالمعرفة والاعتراف بالتطّور والتحوّل والّا ما هو سبب عدم لجوء السلطة الحاكمة عبر العقود إلى اجراء تعداد رسمي للسكان الموجودين على الأراضي اللبنانية، فيما التعداد السكاني الوحيد الموجود بحوزة المواطنين هو التعداد الذي قامت به قوات الانتداب الفرنسية عام 1932!

ان النظام الطائفي يقف حائلاً دون بناء الدولة الوطنية الحديثة، وينصب جداراً من غير الممكن اختراقه من قبل المواطن للحصول على حقوقه، بالرغم من أن القرار في الشأن العام يجب أن يعود إلى المواطن لا إلى أنظمة تعسفية تكبّل المواطن وتمنعه من تغيير مساره السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *