بناء مستوطنات في جنوب لبنان خطة منظمة «أوري تسافون» الصهيونية

في سياق تصعيد ميداني تشهده الحدود الجنوبية للبنان، ومحاولات الكيان الصهيوني تنفيذ مخططاته التوسعية، شهدت الفترة الأخيرة، وتحديداً في أوائل عام 2026، حالات موثقة لقيام مجموعات من المستوطنين «الإسرائيليين» من اليمين المتطرف بتجاوز الحدود اللبنانية الفلسطينية إلى داخل الأراضي اللبنانية، وتحديداً في محيط بلدة يارون، حيث قاموا بزراعة أشجار وطالبوا باستئناف الاستيطان في جنوب لبنان ونصب خيام داخل الحدود اللبنانية.

 وتأتي هذه التحركات وسط عمليات عسكرية عدوة واسعة، وتوغل في بعض المحاور، وسط تقارير عن حملة استيطانية استباقية. 

هؤلاء المستوطنون المنتمون إلى منظمة «أوري تسافون» يطالبون بإنشاء مناطق استيطانية داخل الأراضي اللبنانية، في تكرار لسيناريوهات تاريخية. منظمة «أوري تسافون» التي تعني «استيقظ أيها الشمال» تمكنت من حشد آلاف المؤيدين لها، وقد تأسست بهدف الترويج لاستراتيجية الدعوة إلى الحرب وإعادة الاحتلال وإنشاء مستوطنات «إسرائيلية» في جنوب لبنان. تسعى هذه المنظمة إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في المنطقة عبر نقل مشروع الاستيطان من غزة والضفة الغربية إلى جنوب لبنان. وهي تتبنى رؤية تعتبر استيطان لبنان ضرورة استراتيجية وعملية. وتزعم في رؤيتها (أن «دولة لبنان» لا وجود ولا وظيفة لها، وما هي إلا نتاج تسويات استعمارية بين فرنسا وبريطانيا لتعزيز مصالحهما. وترى أن الحدود الحالية بين لبنان والأراضي المحتلة حدود مصطنعة، لا قيمة لها).

 تروج «أوري تسافون» بكثافة منذ نحو عام لفكرة الاستيطان وتوسيع منطقة الجليل لتضم جنوب لبنان باعتبارها جزءاً من «أرض إسرائيل»، والتي لم تقتصر على توزيع منشورات وصور تظهر مكان وشكل المستوطنات الجديدة المنشودة، بل شملت محطات تعليمية عدة، بهدف نشر رسالة المنظمة ورؤيتها بتعزيز السيطرة «الإسرائيلية» على المنطقة، مع التشديد المستمر على أن الحضور هناك ليس فقط بسبب الأمن، بل لأن الأرض، وفقاً لاعتباراتهم، هي أرضهم من الناحية التاريخية. أكثر من ذلك أرسلت مجموعة «أوري تسافون» طائرات من دون طيار وبالونات إلى جنوب لبنان في حزيران 2024 تحمل إخطارات إخلاء لسكان المنطقة، كما نشرت خريطة تحمل «الأسماء العبرية الجديدة للمستوطنات في جنوب لبنان» مما يدل على أن المستوطنين لا ينوون «التراجع عن مخططاتهم» وفق أحد المواقع الالكترونية الأميركية.

الدعم المتزايد لهذه المنظمة شجع القائمين عليها لتوسيع أنشطتها والبدء بالترويج لبيع عقارات جديدة تطل على جبال لبنان ومناظرها الطبيعية الساحرة، بحسب تعبيرهم، بعروض تبدأ من 80 ألف دولار لكل قطعة أرض من رأس الناقورة حتى قضاء صور بما فيها مدينة صور ومرجعيون وحاصبيا. أما القرى التي تقع في نطاق «البيع» فهي رميش، يارون، بنت جبيل، دبل، عيترون، بليدا، ميس الجبل، حولا، المنصوري، كفرا، قانا، زبقين، عديسة، كفركلا، مجدل شمس، فرون، الخيام، برج الملوك، كفرحمام، القليعة … أعضاء «يوري تسافون» يجرون مناقشات منتظمة ويطرحون مقترحات لإعادة تسمية المدن اللبنانية بأسماء عبرية، ويروجون لإعلانات رحلات مستقبلية إلى جنوب لبنان تحت شعار «إنه ليس حلماً… إنه حقيقة». إذن بين ليلة وضحاها قرر الكيان الصهيوني «بيع قطعة ثمينة من لبنان» حسب هذه المنظمة.  وقد جاء في أحد إعلاناتها «لنواصل قضم جنوب لبنان ومنع سكانه من العودة، أسهموا في حدوث ذلك وانضموا إلينا».

الحملة الممنهجة للمنظمة تعمدت نشر وتوزيع ملصقات وصور ولافتات في مختلف المدن والبلدات والأماكن العامة شمال الكيان الصهيوني، بما في ذلك الملاعب والملاجئ داعية إلى استيطان لبنان. وأطلقت حملة إعلانية داخل «إسرائيل» على موقعها بعنوان: «حان وقت الحصول على منزل في لبنان»، وكتبت «هل تحلمون ببيت كبير وإطلالة على الجبال الثلجية ومجتمع دافئ في أرض أجدادنا؟»، مضيفة «نحن على بُعد قرار استراتيجي واحد فقط من تحقيق هذا الحلم».

إذن من أهداف هذه المنظمة العدوة إقامة مستوطنات دائمة في جنوب لبنان، مدعية أن كل سكان جنوب لبنان يمكنهم النزوح إلى بعلبك، مما يدعم رؤيتهم لطرد اللبنانيين منها. ويستند مؤيدوها إلى تفسير ديني يعدّ جنوب لبنان جزءاً من «أرض إسرائيل الكبرى لقبيلتي أشير ونفتالي».

تجدر الإشارة إلى أن المنظمات الصهيونية المسلحة تطوّرت منذ تأسيس الهاغانا عام 1920، مروراً بالإرغون عام 1931 وليحي عام 1940. وهذه الأخيرة تعرف أيضاً بمنظمة شتيرن نسبة إلى مؤسسها أبراهام شتيرن، إحدى أكثر المنظمات اليهودية المسلحة تطرفاً في تاريخ «إسرائيل»، وهي التي شاركت في مجزرة دير ياسين. كل هذه التنظيمات تبنّت العنف ضد الفلسطينيين وأسّست للأيديولوجيا المتطرفة التي استمرّت لاحقًا عبر الأطر السياسية، ولا سيما حزب حيروت الذي تحوّل فيما بعد إلى حزب الليكود. وقد شكلت هذه التنظيمات البنية الأولى لفكر يقوم على القوة كوسيلة لتحقيق المشروع الصهيوني، وانتقل هذا الإرث من التنظيمات شبه العسكرية إلى المؤسسات السياسية بعد قيام الكيان الصهيوني. وليست منظمة «أوري تسافون» اليوم ظاهرة معزولة، بل تمثّل استمراراً مباشراً لهذا الخط الفكري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *