كيف تحوّلت سوريا أمّ الحضارة ومصر أرض الكنانة إلى الجهل والاستبداد!

يقول أنطون سعادة:

«من لا ينهض لنيل الحريّة خوفا على حياته خسر الحرية والحياة معا «.

في هذه الحرب المستعرة حتى يومنا هذا، يعمل المعتدي على تدمير الشخصيّة الإنسانيّة وبثّ كل مستلزمات الدعاية لاستيلاد الخوف وغرسه في قلوب الشعوب.

 يستعمل الخوف كسلاح ماض من خلال تهديد الدول، وتبشيرها بالموت والفناء وقطع الموارد والماء والكهرباء والنفط وانعدام مصادر الطاقة فإذا حصل ذلك دخل العالم في جمود الموت وانعدام الحياة.

صحيح أن قصف الطائرات والصواريخ يزرع الخوف والرعب ويحصد الدّمار الشامل والقتل الجماعي الإجرامي إلى جانب الخراب، لكنّ السلاح الأكثر فتكا من القنابل هو ما نراه من تخلّف وجهل لدى الحكومات العربيّة وقمعها للحريّات والإمعان في استمرار تضليل الناس. الجهل هو أكثر خطورة وأكثر فتكا من أي سلاح أو صاروخ مدمّر …

 سنة 1899 نشر عبد الرحمن الكواكبي كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) في مصر أما موضوع الكتاب فهو دراسة تحليليّة شاملة هدفها تفكيك الاستبداد السياسي، وقد أوضح الكاتب بشكل علمي آثار الاستبداد المدمّر على الدّين، العلم، الاخلاق وتاليا على الإنسان، كما يشرح أيضا كيف يحوّل الاستبداد الناس إلى عبيد ويدعو الى التخلّص منه عبر تدرج الوعي ونشر التعليم معتبرا أن الاستبداد يولد من الجهل.

عبد الرحمن الكواكبي المفكّر والمصلح الاجتماعي السوري من مواليد حلب، توفّي في القاهرة عام 1902 اي منذ قرن وربع تقريبا، كان يبشّر بالوعي والتقدّم! أما اليوم فهنالك قوى ظلاميّة تنطلق من سوريا أمّ الحضارة وتحذو حذوها مصر أرض الكنانة على حدّ سواء. قوى شيطانية تستعبد الناس من خلال الرعب وتلقي بهم، في آتون من الجهل لم تشهد هذه البلدان له مثيلا.

نبدأ من سوريا: إذا أردنا أن نسرد عن طبائع الاستبداد في سوريا اليوم ، نكاد لا ننتهي من تعداد الإرتكابات في حقّ النّاس والإنسان السوري رجال الشيباني رجل الظلّ الذي يقف وراء الرئيس الشرع، يدخلون الكنائس ويدعون الناس إلى الكفر بالسيد المسيح لأن في ذلك خلاص لهم من النار وعذاب الجحيم ولا يتورعون عن التنكيل بالمسلمين ويصادرون ممتلكاتهم كل المسلمين من كل المذاهب متناسين أنّ : [ لو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة] وغيرها من تعاليم الإسلام الحقيقية والتي تدعو الى الرّأفة والعدل والرحمة..

كما منعوا الحلاقين الذكور، منعا باتا من تصفيف شعر النساء وهددوهم بعقوبات الجلد والتشهير وصولا إلى قطع اليد.

 أمّا في مصر العظيمة فنقرأ في آخر الأخبار:

 سحب جهاز الرقابة على المصنّفات الفنيّة برئاسة عبد الرحيم كمال ترخيص عرض فيلم (سفّاح التجمّع) من دور السينما كما أوقف عرضه إلى حين صدور إشعار آخر. حصل ذلك بعد أن تمّ توزيع الفيلم وتحقيقه إيرادات عالية جدا في أوّل أيام عرضه وذلك بعد ثلاثة أيام من تاريخ بدء العرض.

تلقّى أصحاب فيلم (اعترافات سفّاح التجمّع) صدمة كبيرة بعد هذا القرار الّذي أدّى إلى سحب الترخيص بالعرض والجدير ذكره أن الفيلم من بطولة أحمد الفيشاوي وتأليف وإخراج محمد صلاح العزب وإنتاج أحمد السبكي.

  جاء قرار الرقابة بسبب عدم تطابق النصّ المصوّر مع النص المجاز رقابيا واحتواء الفيلم على مشاهد عنف اعتبرتها الحكومة مخالفة لشروط الترخيص. كما عبّر محمد صلاح العزب مؤلف ومخرج الفيلم عن صدمته عبر حسابه على الفيسبوك وكتب قائلا: قدر الله وما شاء فعل، بعد الحصول على كافّة التراخيص والتصاريح القانونية والحكومية والأمنية، لكتابة وتصوير وعرض الفيلم يصدر قرار فجائي برفع الفيلم من السينما بعد عرضه في كافّة حفلات يوم الوقفة (هل المقصود وقفة العيد؟ أم يوم أوقف العرض) . وكشف مؤلف ومخرج الفيلم أن العمل حقق إيرادات مرتفعة في الساعات التي عرض خلالها معتبرا أن ما حدث هو سابقة جديدة.

ما حصل هو واقعة تدخّل من قبل الدولة في الحريّات الفكريّة وسحب الفيلم يتماثل مع الرقابة التي تحصل في كل بلدان العالم حول ما يجب مشاهدته او قراءته من كتب وافلام وفنون وأساليب للتعبير كما يحصل الآن في مدارس وجامعات الولايات المتحدة الأمريكية وكندا من حظر لكتب معينة وكتاب معينين وحظر لندوات ذات مواضيع معيّنة تطرّق للسياسة وأنظمة الحكم.

 ما هو مزعج ومثير للارتياب هو أن عالم السوشيال ميديا يتفلّت من كل القيود والقوانين ويستطيع الفرد العادي أن يدخل إلى منصّات مشبوهة كما يحلو له، وبإمكانه أن يقرأ ما هو مثير للفتن والحروب ويشاهد ما يريد من محتوى عنفي وجنسي ومحرّض، ولكن، من ناحية أخرى، الثقافة الرصينة والأدب والفنون يخضعونها للرقابة وتحظرمن قبل حكام منحطين وعملاء ينفذون أوامر أسيادهم الخارجيين.

نعاني بشدّة من تداعيات هذه الحريّة العمياء المتفلتة من القيود، حرية العمالة، فالتحريض مسموح به، بينما يطبق القانون على ما هو عقلاني ومنطقي فقط والهدف القضاء على الوعي والحريّة.

قريبا جدّا سنشهد على أنواع مختلفة من التّدخلات في الحياة اليوميّة الإنسانيّة كما سنرى أنظمة عالميّة تتحوّل إلى ديكتاتوريات مختلفة عن تلك التي عرفناها في الماضي. لأن مصطلح الديكتاتورية كما كان، لم يعد مناسبا في عصرنا، ما يحصل من ممارسات في زمننا الحالي لا يوصف وهو أعتى من قمع الديكتاتوريات التي شهدها العالم عبر التاريخ. ثمّة حكومات تخضع اليوم لسلطة غرف مظلمة، تدير كل شيء فيها، تسعى هذه القوى السرية إلى محو كل مظاهر التقدّم والتفوّق والتفكير النقدي المنطقي والتحليل من وجهة نظر الفلسفة والعقل. والهدف الأول ليس سوى محو حرية التعبير من العالم!

ها نحن على عتبة عصر مخيف ومظلم تحكمه عقول مريضة عقول مجرمة، تؤمن بالقتل والخراب وتدمير الثقافة، وهي بحسب عقائدها الدينية تؤمن بعودة المسيح إلى الأرض بعد اندلاع حرب (هرمجدون) واستيقاظ يأجوج ومأجوج لأن الأنبياء والرسل باعتقادهم، لا يستطيعون العودة إلى عالمنا إلا من خلال تذاكر سفر دمويّة وقمع فكري كبير من أجل محو الفكر النقدي والثقافة والفنون وحريّة التعبير.

ماذا عسانا نقول في الخلاصة: من حلب إلى القاهرة ضاع فكر الكواكبي الذي حارب الاستبداد وتبدّدت مفاهيم العدل والحقّ واستفاقت أبالسة الأرض والجحيم من عقالها لتحكم العالم! …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *