لا يصنع منتجي الثقافة منتجاتهم لأنفسهم، ولا حتى لأمثالهم، بل يصنعونها للناس، من أجل الرقي تحديداً، وهنا تفترق المنتجات الثقافية على مفترق الرقي، حسب نوعية الثقافة المطروحة على الناس، وكلها ثقافة، يمكنها أن تفسر نفسها، بالأفعال الناتجة عنها، التي تتكثف بالأداءات الاجتماعية، التي تحول، المعلومات إلى معرفة فاعلة تكمن وراء كل تصرف اجتماعي أو فردي، تجاه الآخر الاجتماعي الشريك في الاجتماع، حيث يظهر مؤشر نوعية ليدل على الخير أو الشر الناتج عن هذا الفعل أو التصرف، والمشكلة هنا تشير إلى الشر الناتج عن ثقافة ما، تدل على عطب بنيوي، قد لا يكون إصلاحه متوفراً في المدى الإستراتيجي، بمعنى الاصطدام بالجدار الأخير، والسقوط في هاوية المعنى، بما يعني الزوال أو الفناء، نتيجة الانحطاط الذي يكبل الاجتماع الإنساني ويمنع عنه الأهلية للوجود في الحياة المعاصرة، وهو الزمن الوحيد المتاح لهذه الأقوام، فالمستقبل غير موجود بالنسبة لهم، لإنك التدبير والإدارة، بحاجة إلى ثقافة تنتج الخير، وتسعى إلى زيادة إنتاجه، من أجل ضمان الوجود في المستقبل، وهذا مسعى كل الشعوب والأمم التي تنوي البقاء.
هنا تبدو، فكرة النخبة المثقفة، فكرة واهية، ليس لإنها تنتج أداءات الخراب أو الإعمار، بل بسبب الحاجة إلى مجتمع كله نخبة، ليستطيع التفريق بين الخطأ والصواب، قبل أن نحصد الخير أو الشر الكامنين في المنتجات، ولكن هذا المجتمع خطير، على السلطات المتوارية خلف ثقافة أثبتت أنها منتجة للشر بدلالة التجارب المحلية متكررة الفشل، والمنتجة للهزائم من كل نوع، وأولها هزيمة الثقافة المنتجة للخير، هذا ما تعنيه الدكتاتوريات من كل نوع، حتى لو كانت ناتجة عن “صناديق إقتراع”، أو بتوفر المليشيات الرديفة، التي قد تحمي السلطة، ولكنها تهزم الاجتماع البشري، عبر ردم الهوة بين الخير والشر بالعنف الارتجالي أو المنظم، والعنف هنا هو أحط الأداءات الاجتماعية الناتجة عن ثقافة خائفة من رؤية مصالح الاجتماع، التي تتجاوزها بكثير، فتلجأ إلى مصادرة المستقبل.
ولكن المستقبل لن يكون رؤوفاً، مع من استهتر بثقافة اجتماع الناس على المصالح، وليس على الهوى، وبهذا المعنى الناس منقسمون إلى الكثير من الشراذم، قد تسمى، طوائف، أو مكونات، أو إثنيات..إلخ، التي سوف تنقسم فيما بينها حالياً، أو قادماً، لذلك طالما تم البدء بالثقافة الحقوقية بنية تحتية لثقافة المصالح، ومن ثم ثقافة الارتقاء،(ملاحقة المنجزات المعاصرة والتوازي معها)، فالثقافة الحقوقية هي الثقافة الوحيدة القادرة على تجاوز الجدار، بالاصطدام به وخرقه، أو مداورته، دون ردم الهوة المعرفية أو الزمانية بالعنف، وهذا ما يتطلب مساواة أعضاء الاجتماع جميعهم، فالثقافة الحقوقية تتمثل في ثقافة المصالح، ملغية هوة العنف التي تفترض الثقافة المعاكسة بأن عليها ردمها به. وهنا سؤال تأسيسي يجب أن يطرح، كيف لثقافة تنتج العنف أن تحقق المصالح؟
عبر التجارب العالم ثالثية ومنها عالمنا العربي، وخلال ثلاثة أرباع قرن، لم يستطع العنف أن يطور مصلحة اجتماعية واحدة، ولم يأتي بأية خطوة ارتقائية نحو المستقبل، وظلت هذه الاجتماعات البشرية، ما دون المجتمع المعاصر، ودولها ظلت ما دون الدولة، وهذا يفسر ليس حالة الهوان وحدها، بمعنى عدم القدرة على مواجهة الخارج ومنافسته، بل على مستوى الشبع الداخلي، الذي يفشل دائماً في استثمار الإمكانيات البشرية على نحو مجدٍ، هذا المشهد/ التجربة المكررة، رأها كل من ينتمي إلى هذه التجمعات السكانية، حيث يشعر بالهشاشة والخوف من كل آخر، دون القدرة على لمس الحل الواضح والمكرر أمامه، فإمكانياته المعرفية متوقفة في زمن آخر، وهكذا تخرب ثقافة الخوف والهشاشة، قرينتها ثقافة البناء والترقي. وتستمر بدفع الأثمان إلى ما لا نهاية، من دون أمل بنهاية سعيدة، فالذي لا يستطيع تبني المعرفة حقوقياً، لا يستطيع المضي قدماً إلى رحاب المستقبل الزاهر، بل سيستمر في عنجهيته الشاهرة للعنف المؤدية إلى الكوارث.
غالباً ما يكون أصحاب عنجهية العنف، مستقوين على الأضعف، حيث يضعونه في خانة المخطئ، ولكنهم يتلقون الركلات ممن هو أقوى منهم، ولا يجرؤون إلا على الموافقة، وهنا تنشأ هوة أخلاقية أخرى ولكنها كبرى، يتطلب ردمها بالجهل المنتج للعنف، أي توجيه العنف للذات، بمعنى الحروب الأهلية وتكراراتها المقرفة، التي لا يتعلم منها أحد، فيتم الاصطدام بالجدار، الذي يظن العنجهي، أنه قد احتواه بالعنف الأحادي، لكي يتفاجىء هذا العنجهي أنه موجود وصلب، ودلالاته واضحة في الاقتصاد والتعليم والصناعة والإبداع الفني، فيكتفي بإنجازه الضئيل الناتج عن العنف، ليبقى اجتماعه السكاني مكلل بالفشل الذريع في الإجابة على شروط العيش في العصر، ومنها المقدرة على الدفاع عن حدوده، التي لن يحترمها الشبعان المتعلم المحمي صحياً، الناجح في استثمار المعرفة.
في الحقيقة، أن الثقافة الحقوقية، هي فرصة، وليست مجرد إجراء تطوعي، فهي ثقافة المسؤولية، الذي أدى فوات الفرصة، إلى انعدام المسؤولية بالمعنى الدولتي، إذ لم يحاسب أي مسؤول عربي عن أية كارثة تسبب بها، وهذا ببساطة بسبب انعدام الثقافة الحقوقية، أو إعدامها.

