الكورنيت يدمر الدبابات … والوفاء يُمتحن خلف الجبهات

بعد شهرٍ كامل على انطلاق المواجهة المباشرة مع العدو على الحدود اللبنانية الفلسطينية، من مسافة صفر، لم تعد الصورة مجرد حدثٍ عابر في سياق الصراع، بل تحوّلت إلى محطة مفصلية تُكتب فيها ملامح مرحلة جديدة من تاريخ المواجهة.

شهرٌ واحد كان كفيلًا بأن يكشف حجم التضحيات، وعمق الإرادة، وصلابة الرجال الذين وقفوا في وجه واحدةٍ من أكثر الآلات العسكرية تسليحًا وتطورًا في العالم، دون أن يتراجعوا خطوة واحدة.

في هذا الشهر، لم تكن المعركة مجرد تبادل إطلاق نار، بل كانت اختبارًا مفتوحًا للإرادة،

هناك، على خطوط التماس الأولى، حيث لا مسافة تفصل بين الحياة والموت، سطّر أفراد المقاومة ملاحم بطولية تتجاوز حدود الوصف، لم تكن بطولات فردية عابرة، بل حالة جماعية من الوعي والإيمان بالقضية، ترجمتها أفعال ميدانية يومية تثبت أن من يقاتل دفاعًا عن أرضه لا يُهزم بسهولة، مهما اختلّ ميزان القوة الظاهر.

لقد أثبتت المقاومة في هذه المواجهة، أن التفوق العسكري لا يُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والتقنيات، بل بما يمتلكه الإنسان من عزيمة وثبات، ففي كل مواجهة، كان هناك من يختار البقاء في موقعه رغم الخطر، من يتقدم حيث يتراجع الآخرون، من يحوّل ضعفه المادي إلى قوة معنوية تُربك حسابات العدو، وهذا ما جعل المعركة، رغم قسوتها، تحمل في طياتها معاني الكرامة والعز والانتصار.

وليس مبالغة القول إن ما جرى خلال هذا الشهر أعاد تعريف مفهوم الصمود، لأن الصمود هنا لم يكن مجرد انتظار أو تحمّل، بل فعلٌ مستمر من المبادرة والتحدي، وقرار يومي بمواجهة الخطر بدل الهروب منه، وهذا ما منح هذه المواجهة طابعها الاستثنائي، وجعلها تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح رسالةً لكل من يعتقد أن الشعوب يمكن أن تُهزم بالإرهاب والقوة.

بعد شهرٍ كامل على انطلاق هذه المواجهة، بات من حقنا، بل من واجبنا، أن نفخر، أن نرفع رؤوسنا عاليًا بما يُنجزه هؤلاء الرجال في الميدان، وأن نمنحهم ما يستحقون من تقدير واعتزاز، فهؤلاء لا يدافعون عن قطعة أرض فحسب، بل عن كرامة وطن، وعن حق شعب في الحياة بحرية وسيادة، إنهم يكتبون بدمائهم تاريخًا لن يُمحى، ويصنعون واقعًا جديدًا تُرسم فيه حدود القوة بمعايير مختلفة.

لكن، وفي موازاة هذا الفخر، تبرز مسؤولية لا تقلّ أهمية عن أي مواجهة على الجبهات، فبينما ننعم نحن في بيوتنا بالدفء والسكينة، هناك عائلات هؤلاء الأبطال التي اضطرت للنزوح عن بيوتها وبلداتها تحت وطأة آلة الدمار المعادية، هؤلاء الذين لم يختاروا الرحيل، بل فُرض عليهم، لأن أبناءهم كانوا في الصفوف الأولى يدافعون عنا جميعًا، من واجبنا ألا نغفل عنهم، وألا نتركهم يواجهون مصيرهم وكأنهم لا يعنوننا، هؤلاء هم من قدّموا فلذات أكبادهم قرابين على مذبح الوطن، لنحيا نحن بكرامة، وليبقى هذا الوطن قائمًا وحراً سيداُ مستقلاً ،

فأقلّ ما يمكن أن نقدمه لهذه العائلات هو أن نكون إلى جانبهم، دعمًا ومساندةً ووفاءً، لأن الوفاء لتضحياتهم ليس خيارًا، بل واجب أخلاقي ووطني لا يحتمل التأجيل أو التقصير.

هذا الفخر لا يجب أن يكون مجرد شعور عابر، بل مسؤولية، في أن نكون على قدر التضحيات، في أن نحفظ هذه الإنجازات، وأن نحمي وحدتنا الداخلية من كل ما يمكن أن يضعفها أو يشتتها. فالمعركة لا تُخاض فقط على الجبهات، بل أيضًا في الداخل، في الوعي، وفي القدرة على التماسك في وجه الضغوط.

بعد شهر من البطولات، حيث لم تكن الحرب يوماً مجرد صراع حدود إنما هي صراع وجود، وهي عنوانًا لمعركة إرادة مفتوحة، وما بين نار المواجهة وصلابة المواقف، يثبت أبناء هذه الأرض أن الحق لا يسقط، وأن من يملك الشجاعة للدفاع عنه قادر على فرض معادلات جديدة، مهما بلغت التحديات، هنا، حيث تُكتب البطولة كل يوم، يصبح الانحناء إجلالًا لهؤلاء الأبطال أقلّ ما يمكن تقديمه.

 2/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *