قتل الصحفيين نهج العدو الصهيوني لإخفاء الحقائق          

لطالما كانت الصورة والكلمة مصدر خوف وخشية لدى «الاسرائيلي». يحاول باستمرار التعرض للصحفيين والإعلاميين واستهدافهم لمنعهم من إظهار الحقيقة وكشف الوقائع والانتهاكات التي يرتكبها دون رادع أخلاقي وإنساني. هذا الاستهداف هو حكماً انتهاك واضح للقوانين الدولية التي تكفل حرية التعبير وحماية الصحفيين أثناء أداء مهامهم.

التعرض للإعلاميين من قبل العدو يعني ضرب الفئة التي توثق وتكشف أعماله العدائية للرأي العام، فالصحفيون هم الشهود الذين يتحققون من هذه الأعمال وينقلونها بعين كاميراتهم وبمقالاتهم المكتوبة وتغطياتهم التلفزيونية. واغتيال الإعلاميين واستهدافهم يفتح الطريق أمام وقوع جرائم حرب بعيداً عن التغطية، فيما القانون الدولي وقوانين الصحافة تقر بوجوب أن يعملوا بحرية وأمان. 

رواية الاحتلال عن «الأخطاء الميدانية» التي يدعيها باستمرار لم تعد تنطلي على الرأي العام خصوصاً أن القصف المتعمد والاستهداف المباشر موثّق بكاميرات الصحفيين ومن قبل جهات دولية منذ تشرين الأول من عام 2023 وصولاً إلى آذار 2026.

ولأن قناتي المنار والميادين وسواها من الوسائل الإعلامية تنقل اعتداءات العدو وانتهاكاته الفاضحة، يصرّ العدو على استهداف فرق العمل فيها من مراسلين ومصورين وسيارات وتجهيزات وحتى مباني ومراكز. وفي هذا الإطار كان ارتكابه لجريمة استهداف سيارة الصحفيين علي شعيب مراسل قناة المنار وفاطمة فتوني مراسلة قناة الميادين وشقيقها المصور محمد فتوني بشكل مباشر على طريق جزين جنوبي لبنان، ما أدى إلى استشهادهم. وكانت أظهرت المشاهد من مكان الاستهداف، معدات الصحافيين الذين سقطوا في الاعتداء، من سترات وخوذ وكاميرات لم تشفع لحمايتهم. أما حجة الاستهداف «الاسرائيلي» فهي حاضرة دائماً. «علي شعيب هو عنصر في قوات الرضوان التابعة لحزب الله».

جريمة استهداف علي شعيب وفاطمة ومحمد فتوني فضحت، نهج جيش الاحتلال في القتل المباشر للصحفيين في ساحات الحرب. وبذلك بات الاعتداء على الإعلاميين أمراً مقصوداً بهدف حجب حقيقة اعتداءاته وجرائمه، وملاحقة كل من ينقل آثار القصف إلى الرأي العام، وبالتالي فإن تقييد وصول الصحفيين إلى الميدان يعني حجب الأضواء، وتيسير ارتكاب جرائم إضافية.

جريمة اغتيال شعيب وفتوني استدعت صدور إدانات واسعة لاستهداف الصحافيين على المستوى المحلي والعالمي، فقد اعتبرت رابطة الصحافة الأجنبية أن الحادث «لم يكن مجرد سوء تفاهم، بل كان اعتداءً عنيفاً على صحفيين معروفي الهوية، وهجوماً مباشراً على حرية الصحافة».

 وبشأن ما يحصل في الضفة الغربية اتهم الاتحاد الدولي جيش الاحتلال الصهيوني باستخدام العنف لمنع فريق تلفزيوني من آداء عمله في الضفة الغربية المحتلة.

لا يُعد استهداف علي شعيب وفاطمة ومحمد هو الأول من نوعه خلال الحرب على لبنان، فبين عامي 2023 و2024، استشهد خمسة صحافيين على الأقل بضربات «إسرائيلية» في جنوب لبنان، ومنهم الصحفي عصام عبد الله من وكالة «رويترز» خلال حرب الإسناد لغزة في منطقة علما الشعب. كما أصيب ستة صحافيين آخرين بجروح بينهم الصحافيان في وكالة فرانس برس ديلان كولينز وكريستينا عاصي التي بُترت ساقها اليمنى، وكذلك كارمن جو خدار وإيلي براخيا مراسلي قناة الجزيرة خلال تغطيتهما النزاع في جنوب لبنان قرب الحدود مع الكيان الصهيوني. وفي 8 تشرين الأول طاولت الاستهدافات الصحافية فرح عمر والمصوّر ربيع المعماري من قناة «الميادين»، وقتلت قوات العدو ثلاثة صحفيين لبنانيين وأصابت ما لا يقل عن 7 آخرين في حوادث متعددة بالقرب من الحدود اللبنانية «الإسرائيلية». وفي أيلول 2024 شهدت بلدة حاصبيا، استشهاد ثلاثة صحفيين.

ما جرى على طريق جزين لا يمكن فصله عن سجل أوسع من الانتهاكات ضد الصحافة في لبنان وغزة واليمن، إذ ذكرت لجنة حماية الصحفيين الدولية أن «إسرائيل» قتلت عدداً من الصحفيين يفوق أي حكومة أخرى منذ بدء توثيقها المنهجي عام 1992. وحتى 26 آذار الماضي، وثّقت اللجنة مقتل 256 صحفياً وعاملاً إعلامياً في الحرب، بينهم ثمانية لبنانيين، وأكدت أن الاستهتار بحياة الصحفيين والقانون الدولي بلغ مستوى غير مسبوق.

أما في فلسطين فقد أكدت لجنة حماية الصحفيين، أن الصحفيين الفلسطينيين ذُبحوا وسط إفلات من العقاب منذ 7 أكتوبر 2023، ووصفت ما يجري بأنه اعتداء مباشر وغير مسبوق على حرية الصحافة. هذا التأكيد يدل على أن الجهة المنفذة في لبنان وقطاع غزة، واحدة والمنهج ذاته قائم على منع التغطية واستنزاف القدرة على البقاء والعمل، لا مجرد التعرض العارض للمراسلين في أرض المعركة. ولأن عمليات استهداف الصحفيين تمر دون محاسبة فعلية، فإن الإفلات من العقاب يشجع الاحتلال على المضي في السلوك ذاته من دون رادع حقيقي، ذلك أن المجتمع الدولي يكتفي بالتنديد بعد وقوع الجريمة، ثم يترك الصحفيين يواجهون المصير نفسه في المهمة التالية.

كل هذه الوقائع تبين أن استهداف الصحفيين في لبنان ليس امتداداً عرضياً لنيران الحرب، بل قراراً يضرب المهنة كي يحجب الجريمة ويؤمن للاحتلال هامشاً أوسع للاستمرار. ومن دون تحقيق دولي مستقل ومساءلة علنية وعقوبات واضحة، سيبقى كل مراسل على الجبهة هدفاً مفتوحاً، وسيبقى الصمت الدولي شريكاً فعلياً في تحويل الكاميرا من أداة كشف إلى سبب إضافي للقتل.

تجدر الإشارة إلى أن للعدو الصهيوني تاريخ في قتل الصحفيين في الأراضي المحتلة. فمنذ العام 1992 وحتى 2014 قتل في الضفة الغربية وقطاع غزة 15 صحفياً. وفي هجومه على غزة عام 2014 قتل 12 صحفياً أحدهم صحفي أجنبي، فيما قتل في أيار عام 2022 الصحفية الفلسطينية في قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة. وخلال الفترة الممتدة منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى الآن قتل العدو في قطاع غزة أكثر من 215 صحفياً ودمر 8 وكالات اجنبية. هذا فضلاً عن اعتقال العشرات من الصحفيين طوال السنين الماضية. واللائحة تطول وهذا غيض من فيض في سجل العدو الإجرامي بحق أهل الصحافة. وفي ظل غياب المحاسبة والمحاكمة والردع لا يبدو أن هناك حدوداً لإجرامه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *