الحرب الاسرائيلية الاميركية في الطريق المسدود

تكشف الحرب الدائرة اليوم تحولاً استراتيجياً في مسار الصراع في المنطقة بين المحور الذي يُسمى محور المقاومة، والذي تتمثل جبهته الرئيسية بأيران وحزب الله في لبنان، وبين القوى التي تسعى إلى تفكيك هذا المحور والسيطرة عليه عسكرياً وسياسياً، وذلك في سياق مشروع كبير يهدف إلى إقامة أسرائيل الكبرى، والتي أعاد رئيس الوزراء الاسرائيلي التأكيد عليها في أكثر مناسبة في الاشهرالاخيرة. كما تسعى الولايات المتحدة من خلال هذه الحرب إلى انتزاع موطئ قدم جديد لها في المنطقة وإعادة رسم خرائط جديدة، وتحصيل المزيد من المكاسب والمغانم الاقتصادية والسياسية والامنية، وكل ذلك سيؤدي إلى تعميق عدم الاستقرار في المنطقة، وألى التأكل والتلاشي للدول والمجتمعات في ظل هذه الخطة المرسومة والتي بدأ الاميركيون والاسرائيليون بتنفيذها في أكثر منطقة، وذلك من خلال أعادة احياء الهويات الدينية والمذهبية على حساب الهوية القومية الجامعة.

مع الساعات الاولى لهذه الحرب تبين أن الجميع كان يتحضر لها وينتظرها بعد تراكم طويل من فشل الجهود في التوصل إلى حل سياسي. وحتى هذه الساعة يبدو إن النتائج اتت خارج توقعات الولايات المتحدة واسرائيل، واللذان لم يتمكنا حتى الان من تحقيق أي هدف من أهدافهم المعلنة والمستترة، وفي مقدمتها السيطرة على أيران.

هم اعتقدوا أن اغتيال المرشد الاعلى سيؤدي إلى انهيار ليس النظام فقط، بل المحور برمته، وأحدث صدمة داخلية عميقة تمتد تأثيراتها لعقود من الزمن. وبالرغم من اغتيال المرشد الاعلى ومعه عدد كبير من قادة الصف الاول في القيادة العسكرية الايرانية. فأن القيادة الايرانية استطاعت ترميم نفسها وتعبئة كل الفراغات بسرعة قياسية، وأهمها انتخاب مرشد أعلى جديد. وهذا ما انعكس على سير العمليات العسكرية التي تقوم القوات الايرانية بتنفيذها بكفاءة عالية.

اليوم أذا كان من حديث عن نتائج المعركة حتى الان فأنه يمكن القول بأن الولايات المتحدة واسرائيل دخلتا في مأزق استراتيجي، وحرب استنزاف طويلة الامد، والتي ستؤدي مثلاً إلى تعطيل حركة الاقتصاد الاسرائيلي، وتصاعد حركة الاحتجاج داخل المجتمع الاسرائيلي، وذلك مع تزايد عدد الاصابات في صفوف المستوطنين والجيش معاً.  وكما في اسرائيل كذلك في الولايات المتحدة فأنه كلما طال أمد الحرب فأن المعارضة ستتصاعد بوجه دونالد ترامب، وستدرك الادارة الاميركية أكثر وأكثر استحالة تحقيق النصر الموعود، لأن هذه الحرب لم تستطع تعزيز دور واشنطن كقوة عظمى، بل ارهقتها بمزيد من المشكلات المعقدة، ما سيؤدي إلى تصاعد دور قوى استراتيجية كبرى في العالم تسعى إلى منافستها على قيادة النظام العالمي الجديد أهمها الصين وروسيا.

هذا بالنسبة لإيران أما بالنسبة لحزب الله فأنه لم ينتظر طويلاً للدخول في المعركة، واضعاً تدخله في سياق الحرب الاستباقية، وفشل كل الجهود السياسية في حمل اسرائيل على الالتزام باتفاقية عدم الاعتداء التي تم التوصل إليها في نهاية الحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان عام 2024.

ففي قراءة أولية لمسار المعركة على الجبهة الجنوبية حتى الان. يبدو أن حزب الله بالرغم كل الخسائر التي تكبدها في الحرب الماضية مازال على تماسكه سياسياُ وعسكرياُ وامنياُ، وهذا واضح من خلال قدرته على إدارة المعركة بواسطة الصواريخ والمسيرات. وأنه قادر على توسيع نطاق عملياته لتطال منشآت حيوية في عمق فلسطين المحتلة.

 ورداُ على عمليات التهجير الواسعة التي قامت بها اسرائيل لعدد كبير من سكان الضاحية الجنوبية والبقاع، وذلك بغرض خلق شرخ داخل المجتمع اللبناني. ولكن يبدو أن هذا المشروع فشل في تحقيق اهدافه نتيجة التضامن الاجتماعي الذي ابداه جميع اللبنانيين من كل الفئات والمناطق مع النازحين، ومبادرتهم إلى احتضانهم وتقديم المساعدات لهم. ورداُ على هذه الخطة الإسرائيلية قام حزب الله بتنفيذ معادلة « التهجير بالتهجير»، ما ادى إلى نزوح ألاف المستوطنين من مستوطناتهم إلى اجل غير مسمى.

وإذا كانت اسرائيل قد امتنعت حتى الان عن قصف البنى التحتية في لبنان، فأن ذلك يعود لخوفها من الانزلاق إلى مواجهة خارجة عن السيطرة، وخصوصاً أنها متأكدة من قدرة حزب الله على استهداف البنية التحتية للكيان الغاصب في لحظة حاسمة من الحرب وفي العمق.

قبل الحرب الاخيرة كانت خطة اسرائيل التمهيد لإقامة منطقة عازلة عبر تدمير المنازل وأحراق الاراضي تمهيداً للاستيلاء عليها وتوطين عدد كبير من اليهود مكان السكان الاصليين.

ولكن اليوم أصبح واضحاً أن هذا المشروع بات في الطريق المسدود، بعد أن تبين أن المقاومة نجحت في تعزيز مواقعها في مناطق بالقرب من الشريط الحدودي المحاذي لفلسطين المحتلة مع الاحتفاظ بعدد كبير من المقاتلين، وأنها قادرة على الاشتباك مع العدو في جولات قتالية متتالية ومنعه من التقدم.

نبيل المقدم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *