تعكس الشعوب ثقافتها عند القيام بأداء استحقاقات الحياة اليومية ( سياسة، اقتصاد، فلكلور، الملكية العامة، أخلاق، إلخ)، حيث تُظهر هذه الثقافة رقي هذا الاجتماع البشري، أو انحطاطه، بالنسبة إلى العصر الذي تعيش فيه. هذا الانتساب إلى العصر، يشرحه المثقف، مبيّناً إعطابه التي تحتاج إلى فرملة وإيقاف، أو دعم وتطوير وارتقاء، بناء على حاجة هذا الاجتماع للبقاء والاستمرار، حيث تبدو الدولة (إذا كانت دولة وليس مجرد سلطة)، بحاجة ماسة إليه، وضرورة من ضرورات وجودها، دون ترغيب أو ترهيب، لإنه يظهر لها معيقات وجودها السلبية، ويقترح تطويرات إيجابية تدعم ديمومتها، متنكباً دوراً، منبثقاً من واجبه الاجتماعي ( بغض النظر إذا كان هذا الاجتماع مجتمعاً أو أدنى من ذلك)، حيث يكون هذا استجابة للوجدان الاجتماعي، بما «يوازي» تماماً أداء رجالات السلطة أو الدولة، والفارق هنا شديد، حيث تتمظهر المسؤولية عن الجسد الشخصي والفردي للمثقف، دون أية حماية أخلاقية أو إنسانية وحتى قانونية، من قبل السلطة، أو ما يمكن تسميته مجازاً الدولة المزورة، من خلال عملية صناعة وإنتاج الصمت، الذي يترجم بالإجماع والقبول، اللذان يخترقان الوجدان الاجتماعي ويحطمانه، دون أي إنذار مسبق يمكن أن يقدمه المثقف، بعمليتي التحليل والتركيب المعرفيتين للإطلال على الحقيقة، والنصح التصرف بشأنها.
لا نتكلم هنا عن المثقف «العدو» للسلطة أو الدولة، على الرغم من ضرورة وجوده، في الأداء السياسي التنافسي، بل عن المثقف المنتج للتطور من خلال نقد ( ليس انتقاد) الممارسة الاجتماعية أو المجتمعية للثقافة، بوصفها الأداء العلني للاجتماع البشري، معلناً خوفاً مزدوجاً من المثقفين، أولهما الخوف من فقدان الثقافة المكرسة على الرغم من ظهور فشلها للعيان، والثاني هو الخوف من الحقيقة وما يجب أن يتنكبه هذا الاجتماع البشري من العناء لمقاربتها، ما ينتج ممارسات ثقافية عمومية ( الأخلاق وحداة منها) شوهاء، تفضي إلى عالم مجهول ترتسم في نهايته صورة الكارثة القادمة، ولا من قنديل يحمله ديوجين.
صمت المثقف، أو اختبائه ، يعني تماماً التصحر المعرفي، بمعنى ظهور أحد مرتسماته التطبيقية، وهو الحقل السياسي، فالتصحر السياسي مصيبة كارثية تصيب الاجتماعات البشرية ( عادة ما تؤدي إلى حرب أهلية على الأقل، وعلى ألأكثر سيطرة الفساد في كل المفاصل الحياتية للفرد والجماعة)، وهذا التصحر يقوده الخواء المجتمعي، ناتج عن عقمه في إنتاج المثقفين، المحميين بقوانين تحمي الحقوق الإبداعية، مهما كانت صادمة للثقافة السارية التي تتبناها الأكثرية الاستفتائية التي ما أن تواجه استحقاق الانتماء إلى العصر، حتى تتفتت وتنهار بشتى الطرق، لتظهر نتائجها كدماء مهدورة، أو كرامات مهدورة بالإضافة إلى القعود على حافة هاوية الجوع والعطش والبرد تكفيها نسمة هواء واحدة لترميها، في غياب منطق أدائي يعلن الحاجة إلى المثقف، لإنه غير موجود فعلاً بسبب وطأة القتل أو التهديد أو الترويض أو التغييب بواسطة التثريب والإدانة أو الشيطنة، لينسّد الفراغ بالمثقف الامتثالي، وهو نسخة مشوهة لصاحب المعلومات (العلم) يتردد ويتراجع عن تحويلها لمعرفة، فيصدر عنه معرفة شوهاء لا تنفع في تعديل المسار عن الهاوية الآنفة، فينجح بالمفاضلة بين حرب أهلية وفساد يخفف من خطورته، إلا إذا واتته الفرصة بالهجرة والعيش بأمان في إحدى «الدول».
المثقف الإمتثالي هو المثقف المعتمد في كل الكيانات السورية، ويتميز بمقدرته على تحمل البصاق من أي جهة كانت، حتى لو كانت نفسه هو، فهو الملقى في كماشة الأيديولوجيا والقداسة، والسلطة وحاجاتها، لذا طالما رأينا الكثير من المنتجات الثقافية المتهافته من كافة أنواع المثقفين ( من مؤدلجين، أو مسيسين، أو عملاء لمخابرات السلطات)، مستقيلين عن عملهم في مقاربة الحقائق ( الأمثلة لا تنتهي)، متفرغين للهمس بسعة معلوماتهم، ليقعوا في آخر المطاف في براثن هذه المعلومات كطائفيين، أو مدللين وأصحاب مكاسب، أو مجرد أناس تقليديين ليس لعلمهم أية فائدة حقيقية أو وهمية.
طبعاً التعميم قتّال، ولكن ما لدينا في هذه البلاد هم في أغلبهم مثقفين إمتثاليين، إن كان بقوة القوانين المنحوتة على قياس رجل السلطات المتنوعة ( الأحكام العرفية والاستثنائية مثالاً)، أو كان بقوة السلطات العارية التي لا تتوانى أن بالتحول إلى عصابات وحتى فرق اغتيال، تعميماً للصمت والامتثال، أو بطاقة الاجتماع التخلفية، التي تحتقر كل ثقافة سوى ثقافتها، وتحتقر كل آخر حتى لو كان من لدنها، بحيث تجتمع كافة القوى السلبية المتوفرة، لإلغاء المثقف وتطالب بمثقفين على مزاج مصالحها.
ان تقوم قائمة لهذه البلدان، دون مثقفين يقدمون المعرفة (بعجرها وبجرها)، إلى «أولي الأمر»، من أجل تحويل الاجتماع إلى مجتمع بالمعنى المعاصر، وتحويل السياسة إلى خدمة عامة لهذا المجتمع، في سبيل استثمار إمكانياته لصالحه.

