مرّت الذكرى العاشرة لرحيل عميد السلطة الرابعة، الباحث والسياسي والمثقف الكبير محمد حسنين هيكل، الصحافي الملتزم الذي اشتهر بكونه مهنيًّا صلبًا، ومناضلًا جريئًا لأجل حرية عالمه العربي الذي يريد له أعداؤه أن يعيش عمليّة تغيير خريطته كاملة، عبر التفتيت والتقسيم.
إنّ وظيفة الصحفي الأساسية التي لا تسبقها وظيفة أخرى هي تنوير الرأي العام بـ (كلّ) ما تحتاجه عامّة الناس من معارف وفي «جميع» شؤون الحياة، وشجونها، وهو أي الصحفي بحكم هذه الوظيفة المقدمة على غيرها عابر للاختصاص إلى حقول معرفية متجاورة أو متباعدة كثيرة.
لقد عبّر هيكل في كتبه ومقالاته وحواراته عن قناعته العميقة بأهمية العلاقة السليمة والسوية بين العالم العربي والجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما رفض بشكل مطلق محاولات شيطنة إيران ووضعها في خانة أعداء العرب..
هيكل كان من أبرز الصحفيين العرب الذين تابعوا الشأن الإيراني منذ خمسينيات القرن الماضي، بدءًا من تغطيته لتأميم النفط في إيران، وصولاً إلى الثورة الإسلامية عام 1979، حيث أدرك أن الأحداث الإيرانية ستكون محورية في المنطقة العربية.
في عام 1991 أصدر هيكل كتابه، «أوهام القوة والنصر»، عن أزمة الخليج الثانية (احتلال صدام للكويت)، في هذا الكتاب حاول هيكل أن يفنّد فكرة صناعة التاريخ وتغيير الخرائط الجيوسياسية عبر القوة وأدواتها وترسيخ النصر العسكري كحقيقة تصنع واقعًا جديدًا. ويتحدث هيكل عن تفاصيل الدور الأميركي في تلك الحرب، وهو دور كان متوقّعًا على أيّ حال، فلم يكن بوسع الولايات المتّحدة أن تقف مكتوفة الأيدي والبترول العربي- الذي تعتبره كنزًا خاصًّا بها وحدها لا يلمسه أحد – في خطر. فقد استغلت الأزمة إلى أبعد حدّ واحتكرتها لنفسها وأخذت دور موزّع الأدوار، فقد كانت الأزمة فرصة سانحة لتدمير قوة العراق وإبعاد خطره عن المنطقة، تمهيدًا لوضع شرق أوسطي جديد وتسوية شاملة تناسبها وتناسب «إسرائيل» في الدرجة الأولى.
واقع اليوم مع إيران شبيه بما حصل بالأمس مع عراق صدام حسين؛ فالكلام عن الديمقراطية ودحر الإرهاب وحماية وحدة البلاد من التهديدات الخارجية وغيرها من الطروحات، لا تقنع العاطلين عن العمل والمحرومين من فرص العيش الكريم أو تدفعهم إلى السكوت، وهم يرون بلادهم المليئة بالخيرات خرابًا، بينما أموالهم تسرق وسنيّ أعمارهم تمضي بلا معني…
تحاول أميركا الآن استدراج القيادة الإيرانية إلى تكرار خطأ الرئيس الراحل صدام حسين، للقيام بعدوان على إيران وتفتيتها، ولكنّ طهران تدرك أنه ما من حرب اندلعت إلا وكان اختلال ميزان القوى الواقعي أو الافتراضي أحد أهم الأسباب المحرّكة لتلك الحرب في أذهان القادة وصنّاع السياسات وواضعي الاستراتيجيات. كان الشرق الأوسط، وما يزال، المثال النموذجي للنطاق الجغرافي الذي يعجّ بسياسات الحرب التي يشنّها حكام وقادة جماعات بناء على معطيات ومعلومات وخطط ناقصة وأوهام قوة لا يعززها الواقع ويفندها الميدان غالبًا.
لا شكّ أنّ من أكبر المشكلات التي تساهم في صناعة وهم القوة الأميركية هو الانفصال عن الواقع، بالمغالاة في قوة الذات وضعف الخصم، وذلك ناشئ من وجود حلقات من الذين يقدمون معلومات غير واقعية، في غياب مناقشات جادة ونقد موضوعي وحسابات صارمة. وهناك عامل آخر ساهم في توهم القوة والثقة بالنصر، هو الإعلام الموجه والدعاية المركزة التي تصنع وعيا زائفًا بحتمية النصر وامتلاك القوة، بما يساهم في الترويج لصور مثالية وثقة مفرطة غير واقعية.
لا شكّ أننا وسط مشهد عالمي متغير باستمرار، حيث تبرز بعض الأحداث التاريخية كعلامات فارقة تُلقي بظلالها على التطورات الآنية، وتُسهم في فهم تعقيدات اللحظة الراهنة، وأبرز مثال على ذلك المواجهة الإيرانية الأميركية، التي لا تزال تُلهم النقاشات والتحليلات حول كيفية تحصين إيران لنفسها وبأدواتها الذاتية؟، ومدى تأثير التدخلات الخارجية؟
ووسط التوتر الحالي بين إيران و«إسرائيل»، ومعهما الولايات المتحدة، يتجدد السؤال: من أين استمدت إيران قدرتها على تهديد «إسرائيل» عسكريًّا؟ وهو السؤال الذي جاوب عنه هيكل فى كتابه «مدافع آية الله.. قصة إيران والثورة»، الجواب يبدأ من لحظة انقلاب الثورة الإسلامية فى عام 1979، حين تبدلت طبيعة الدولة من شريك غربي إلى خصم إقليمى مزعج، وبدأت دورة نفوذ وصراع لم تهدأ منذ ذلك الحين.
كان هيكل مستشرفاً أن دويلات جديدة ستقوم في العالم العربي والشرق الأوسط، ولا بدّ من تصفية كلّ مَن يعترض طريقها، ولعل إيران هي الدولة الأكثر مركزية في المنطقة، وهي تعرف كيف تتحاور مع قوة مركزية أخرى، وكيفية كسر وهم عدوانيتها.
ما قامت وتقوم به أميركا هو أنها تشغل إيران إلى أن تكون قد استولت بالكامل على سوريا.. وها هي استولت عليها وجلبت الرئيس الانتقالي أحمد الشرع من دون أي عملية عسكرية (راجع تصريح وزير خارجية تركيا هكان فيدان، خلال مقابلة مع «سكاي نيوز» الأميركية في 1 فبراير)، أمّا اليوم فإيران وحدها في الإقليم، وليس لديها حلفاء طبيعيون لما تمثله الآن، ولا حتى تركيا.
هيكل… وحده استطاع في كيمياء الكلمة تحويل قزم الكلام إلى «أهرام» مدوّية في نقده للعقلية العربية التي جعلت من «إسرائيل» دولة «شقيقة» ومن إيران دولة «عدوة»!
إيران تتعرض الآن لما تعرضت له كل حركة تمرد في وجه الهيمنة الأميركية. ذلك حصل للرئيسين، جمال عبد الناصر وحافظ الأسد.. وحصل لكاسترو ويحصل للصين وروسيا أيضًا.
رأى هيكل أن التناقض الإيراني الأميركي لن ينتهي، ولن ينتهي بوجود هذا النظام في إيران. فإما ان يتغير النظام فيها أو يتم إسقاطه. فأميركا أمام نظام رافض للهيمنة الأميركية وملاصق لروسيا وللصين، وهو في منطقة وموقع جغرافي يشكّل نقطة ارتكاز مشرفة على روسيا والصين وتركيا… «ليس هناك فترة اختبار بين الاثنين كالعلاقة بين ولد وبنت في فترة الخطوبة».. نحن هنا أمام علاقة قوة: هل تستطيع أميركا أن تقبل بقوة في المنطقة قادرة على الانتشار والتأثير خارج حدودها ولا تكون حليفة لها؟
الأنظمة السياسية العربية، ومنذ حصولها على الاستقلال الصوري وبدايات تشكل الدولة الوطنية، لم تخرج عن هذا النمط السياسي في اجتراح وتشكيل وتكوين وصنع العدو، الداخلي والخارجي. وها هي الأنظمة العربية وبعد عقود من السنوات، تمارس لعبة العمالة لـ «إسرائيل»، لكن هذه المرة تحت شعارات السلام «الإسرائيلي الفلسطيني» المدعوم من الأنظمة السياسية العربية، بدءًا من الفلسطينيين والأردنيين والسوريين واللبنانيين، ولم ترجِع تلك المفاوضات حقًّا مغتصبًا منذ وقتها وحتى الآن. وقد ترافق ذلك مع اختفاء تسميات العميل والخائن، خصوصًا وأن عددًا من تلك الأنظمة، قد أقامت علاقات دبلوماسية واقتصادية مع العدو «الإسرائيليّ»، الذي كان يُراد إلقاءه في البحر.
أغلب الأنظمة السياسية التي تفتقد إلى الشرعية تحتاج إلى عدوّ داخلي أو خارجي يساعدها على البقاء، ويمنحها شرعية متوهمة للاستمرار في الحكم. ولا تستثنى من هذه القاعدة، الدول الغربية منذ العام 1917 وقيام الثورة البلشفية في روسيا وصعود الشيوعيين إلى الحكم فيها، والصراع الطويل والمكلف بين نظريتين وما يتبعها من دول، اشتراكية ورأسمالية، مرورًا بألمانيا الفوهرر هتلر، وحتى أميركا وحقبتها المكارثية الشهيرة.
الآن، ويا للمفارقة يسعى النظام العربي (صديق إسرائيل) إلى تجنُّب حدوث ضربة أميركية على إيران، مع ما تحمله من مخاطر زعزعة استقرار المنطقة بشكلٍ كبير. هذا لا يعني أنّ النظام العربي ـ الإقليمي وإيران حلفاء دائمون، بل على العكس، فالظروف تتغيّر.
محمد حسنين هيكل.. سيفتقدك العرب عندما يهتدون إلى مَن يضيء آفاق المستقبل ويرتاد مجاهيله مستشرفاً، عندما تصحو عقولهم من عجاج داحس والغبراء التكفيري!

