الأرض بوصفها ساحة الصراع على السيادة والهوية
ليست الأرض في سورية الطبيعية مجرد تربة تُفلح أو عقار يُسجَّل في دفاتر الطابو، بل هي جوهر الوجود الاجتماعي والسياسي، ومرآة العلاقة بين السلطة والمجتمع عبر قرون طويلة، شكّلت الأرض محور الصراع بين الفلاحين الأصليين الذين عاشوا عليها جيلاً بعد جيل، وبين نخبة إقطاعية سورية ارتبط نفوذها بولائها للسلطات المركزية المتعاقبة، ولا سيما العثمانية منها. واليوم، في ظل النفوذ التركي في شمال سورية، يعود هذا الصراع إلى الواجهة، لا باعتباره حدثاً طارئاً، بل امتداداً تاريخياً لبنية لم تُكسر جذورها بالكامل.
إن ما يجري في إدلب وريف حلب وحماة وحمص ودرعا والساحل وريف دمشق ليس مجرد نزاع عقاري عابر، بل إعادة تشكيل للسلطة عبر إعادة توزيع الملكية. فحين تُنتزع الأرض من الفلاح الذي عاش عليها عقوداً، وتُعاد إلى وريث عائلة إقطاعية تاريخية بحجة “الملكية الأصلية”، فإننا أمام عملية سياسية بامتياز، تُعيد إنتاج التراتبية القديمة تحت مظلة جديدة. ومن هنا، يصبح السؤال ليس من يملك الأرض فحسب، بل من يملك القرار.
أولاً: الإقطاع السوري في العهد العثماني – الأرض مقابل الولاء
مع دخول العثمانيين إلى سورية الطبيعية عام 1516، لم يكن التحول سياسياً فحسب، بل بنيوياً في علاقة الأرض بالسلطة. فقد اعتمدت الدولة العثمانية نظام الالتزام والإقطاع (التيمار والزعامة)، حيث مُنحت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية لنخب محلية سورية مقابل أداء وظائف عسكرية وإدارية وجباية الضرائب. لم يكن الفلاح في هذا النظام مالكاً للأرض التي يزرعها، بل كان مرتبطاً بها بوصفه منتجاً يدفع الخراج ويؤدي الالتزامات.
بهذا المعنى، لم تُنتزع الأرض من الفلاح بالسيف المباشر، بل جرى تحويلها قانونياً إلى ملكية خاضعة للسلطة المركزية، تُمنح لمن يثبت ولاءه. تشكّلت طبقة إقطاعية سورية تدين بنفوذها للباب العالي، وتستمد شرعيتها من قدرتها على ضبط الريف وتأمين الضرائب. ومع مرور الزمن، ترسخت هذه الطبقة اجتماعياً، وتحولت من وكلاء إداريين إلى ملاك فعليين يسيطرون على مفاصل الاقتصاد الزراعي.
في ريف حماة وحمص، سيطرت عائلات محدودة على مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة، بينما بقي الفلاحون يعملون ضمن علاقات شبه تبعية، تُقيّد حركتهم وتحدّ من قدرتهم على الادخار أو التملك. وفي الساحل السوري، خضع الفلاحون لسلطة ملاكين كبار احتكروا الأرض ووسائل الإنتاج. أما في ريف حلب وإدلب، فقد تركزت الملكيات في أيدي نخب ارتبطت تاريخياً بالسلطة العثمانية، ما خلق فجوة عميقة بين من يزرع ومن يملك.
لم يكن هذا النظام مجرد آلية اقتصادية، بل كان أداة لضبط المجتمع، حيث أصبح الولاء السياسي شرطاً للملكية، وأصبحت الأرض مكافأة على الطاعة. هكذا تكرّست بنية اجتماعية تقوم على التراتب، وتُقصي الفلاحين الأصليين عن حقهم التاريخي في التملك، رغم ارتباطهم العضوي بالأرض.
ثانياً: الجمهورية السورية والإصلاح الزراعي – محاولة كسر الحلقة
مع نشوء الدولة السورية الحديثة، ولا سيما بعد عام 1958، برزت قضية الأرض بوصفها مسألة عدالة اجتماعية وسيادة وطنية. فقد أدركت النخب السياسية أن استمرار تركّز الملكية الزراعية في أيدي قلة يُبقي الريف رهينة لبنية شبه إقطاعية تعيق التنمية. لذلك جاءت قوانين الإصلاح الزراعي، التي تعززت بعد عام 1963، لتحد من الملكيات الكبرى وتعيد توزيع الأراضي على الفلاحين
لم يكن الإصلاح الزراعي مجرد إجراء إداري، بل مشروعاً لإعادة هندسة المجتمع الريفي. فقد وُضعت سقوف للملكية، وصودرت المساحات الزائدة عن الحد القانوني، ثم وُزعت على فلاحين كانوا يزرعونها دون سند ملكية. وبذلك تحوّل آلاف الفلاحين من عمال زراعيين أو مستأجرين إلى ملاك صغار، ما عزز مكانتهم الاجتماعية وفتح المجال أمام تحسن نسبي في مستوى المعيشة.
غير أن هذه العملية لم تخلُ من إشكاليات. فقد واجهت مقاومة من الملاك الكبار، كما عانت من ضعف الإدارة والبيروقراطية، وأحياناً من سوء توزيع الموارد. ومع ذلك، فإنها كسرت احتكاراً تاريخياً للأرض، وأضعفت نفوذ طبقة إقطاعية تشكّلت في ظل العثمانيين. لقد أعادت الدولة تعريف العلاقة بين الفلاح والأرض، من علاقة تبعية إلى علاقة ملكية قانونية، ولو ضمن حدود معينة
ثالثاً: النفوذ التركي المعاصر – إعادة تشكيل الملكية عبر القوة
مع اندلاع الحرب السورية وتعدد مناطق النفوذ، دخلت تركيا عسكرياً وسياسياً إلى شمال سورية. ومع ترسخ هذا الوجود، لم يقتصر التأثير على البعد الأمني، بل امتد إلى إعادة تنظيم الإدارة المحلية والملكية العقارية. في هذا السياق، ظهرت حالات إعادة أراضٍ إلى ورثة عائلات إقطاعية قديمة، أو منحها لنخب محلية موالية للنفوذ التركي، تحت ذرائع قانونية أو أمنية.
وعادت صيغة الولاء مقابل الامتياز. فالنخب المحلية التي تضمن الاستقرار وتنسق مع النفوذ التركي تحظى بامتيازات، من بينها السيطرة على موارد الأرض. وفي المقابل، يجد فلاحون كانوا يملكون أراضيهم منذ عقود أنفسهم أمام واقع جديد يُشكك في ملكيتهم أو يفرض عليهم شروطاً مجحفة.
في إدلب وأرياف حلب، برزت نزاعات حول أراضٍ زراعية كانت قد وُزعت في إطار الإصلاح الزراعي، ثم جرى الطعن في ملكيتها أو إعادة تسجيلها بطرق مختلفة. وفي سهل الغاب ومحيط مصياف، تتقاطع شهادات حول ضغوط لإعادة تمكين عائلات ذات نفوذ تاريخي وإعادة تركيز الملكية في أيدي قلة مرتبطة بمراكز القوة
إن الخطورة هنا لا تكمن في نزاع عقاري بحد ذاته، بل في إعادة إنتاج البنية ذاتها التي حاول الإصلاح الزراعي تفكيكها. فحين تُعاد الأرض إلى نخبة محدودة، يُعاد معها ميزان القوة الاجتماعي، ويُدفع الفلاح مجدداً إلى الهامش.
رابعاً: التحولات في المناطق السورية – من إدلب إلى درعا
في إدلب، حيث يشكل القطاع الزراعي ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي، أصبحت الأرض ساحة تنافس بين فلاحين صغار ونخب تمتلك شبكات نفوذ. وتظهر حالات في معرة النعمان وسهل الغاب تعكس توتراً حول الملكيات، في ظل ضعف مؤسسات قضائية مستقلة قادرة على الفصل العادل في النزاعات.
أما في ريف حلب، الشمالي والجنوبي، فقد أدى تبدل السيطرة العسكرية إلى تبدل في إدارة الأراضي، حيث سُجلت حالات إعادة توزيع أو إعادة تسجيل لملكيات قديمة. وفي حماة وحمص، تعود الذاكرة إلى زمن سيطرة بضع عائلات على مساحات واسعة، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة تمكينها محمّلة بحساسية تاريخية.
في درعا، التي عُرفت تاريخياً بملكية زراعية أكثر تفتتاً، أدى النزاع إلى إرباك في سجلات الملكية، ما فتح الباب أمام نزاعات جديدة. أما الساحل السوري، فله خصوصيته التاريخية، حيث تداخلت الملكيات الإقطاعية مع البنى الطائفية والاجتماعية، ما يجعل أي إعادة تموضع للملكية ذات أبعاد معقدة.
خامساً: النتائج الاجتماعية والاقتصادية – عودة التفاوت
إن إعادة تركيز الأرض في أيدي نخبة محدودة تعني عملياً إعادة إنتاج الفجوة الاجتماعية. فالفلاح الذي يفقد أرضه يفقد مصدر رزقه واستقلاله، ويُدفع نحو الهجرة أو العمل الهش. ومع تراجع الإنتاج الزراعي المحلي، تتضرر المنظومة الاقتصادية برمتها، ويزداد الاعتماد على الخارج.
كما أن تقويض الاستقرار في الملكية يُضعف الاستثمار طويل الأمد في الزراعة، ويحول دون تطوير تقنيات حديثة أو مشاريع مستدامة. وهكذا تتحول الأرض من ركيزة للتنمية إلى أداة للسيطرة، ومن مصدر للغذاء إلى ورقة في لعبة النفوذ.
خاتمة: الأرض ليست غنيمة، بل حق تاريخي
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد إعادة ترتيب عقاري، بل معركة على معنى العدالة.
والمعركة اليوم ليست بين أفراد، بل بين نموذجين: نموذج يعتبر الأرض ملكاً لمن يخدم السلطة، ونموذج يراها حقاً لمن يفلحها ويعيش منها. وبين هذين النموذجين يتحدد مستقبل الريف السوري، بل مستقبل العدالة الاجتماعية في سورية الطبيعية كلها. وإذا لم يُحسم هذا الصراع لصالح الفلاحين وحقهم في الأرض، فإن الإقطاع، بأشكاله المتجددة، سيبقى قادراً على تغيير وجوهه دون أن يغيّر جوهره.

