المعرفةُ: الطريقُ إلى الحقيقةِ والقوّةِ

يقولُ أنطون سعاده: «الإنسانُ هو وحدهُ الذي يميِّزُ بين الحقيقةِ والباطلِ بالمعرفةِ».[1] في هذه العبارةِ يختصرُ سعادهُ جوهرَ الرسالةِ الإنسانيّة: فالمعرفةُ ليست ترفًا فكريًّا، بل هي الأداةُ التي بها يكتشفُ الإنسانُ ذاتَهُ والعالَمَ من حولهِ، ويمارسُ دورَهُ الواعي في الحياة.

المعرفةُ هي مجموعُ الحقائقِ والمعلومات والفهمِ والمهاراتِ التي يكتسبُها الإنسانُ بالتعلُّمِ والخبرةِ. وهي في عصرِنا لم تعد مجرّدَ قيمةٍ ثقافيّة، بل أصبحت كالماءِ والهواءِ ضرورةً للحياةِ الفرديّةِ والاجتماعيّة. فبالمعرفةِ يحقّقُ الإنسانُ ذاتَهُ، ويبني شخصيّتَهُ، ويكتسبُ القدرةَ على إدارةِ شؤونِ حياتِهِ، كما يساهمُ في تطويرِ مجتمعِهِ والارتقاءِ به.

وقد عبّرَ الفيلسوفُ الإنكليزي فرنسيس بيكون عن هذه الحقيقةِ بقولهِ الشهير: «المعرفةُ قوّة».[2] فالمعرفةُ تمنحُ الإنسانَ القدرةَ على الفعلِ والتأثير، وتمكِّنُهُ من فهمِ الواقعِ والتعاملِ معهُ بوعي. لكن المعرفة لا تتحقق قيمتها إلا إذا ارتبطت بالأخلاق والمسؤولية، فتوجيه العقل نحو الخير والحق يجعلها قوة حقيقية للبناء الفردي والاجتماعي، ويحولها من مجرد تراكم معلومات إلى فعل واعٍ يخدم الإنسان والمجتمع. الإنسانُ المتسلِّحُ بالمعرفةِ لا ينقادُ انقيادًا أعمى، بل يواجهُ الحياةَ بعقلٍ نقديٍّ ووعيٍ مستقلّ، ولذلك يصعبُ إخضاعُهُ أو تضليلُه.

وفي فكرِ سعاده، لا تقتصرُ المعرفةُ على كونِها وسيلةً فرديّةً للارتقاء، بل هي الأساسُ الذي يقومُ عليه وجودُ المجتمعِ نفسه. فهو يقرِّرُ بوضوحٍ أنّ «المجتمعَ معرفة، والمعرفةَ قوّة»[3]، فيجعلُ من المعرفةِ البنيةَ العميقةَ التي تتكوَّنُ منها شخصيّةُ الأمّة، ومن القوّةِ النتيجةَ الطبيعيّةَ لامتلاكِها. ومن هنا، فإنّ الجهلَ ليس مجرّدَ نقصٍ في المعلومات، بل هو خطرٌ وجوديٌّ يهدّدُ وحدةَ المجتمعِ ويضعفُ قدرتَهُ على الدفاعِ عن مصالحِهِ وصوغِ مستقبلِهِ. ولذلك شدّدَ سعاده في كتاباته على ضرورةِ بناءِ نهضةٍ قائمةٍ على العلمِ والمعرفةِ الصحيحةِ بالواقع، لأنّ النهضةَ التي لا تقومُ على فهمٍ علميٍّ لحقائقِ الحياةِ الاجتماعيّةِ تظلُّ نهضةً ناقصةً ومعرّضةً للاضطراب[4].

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ المعرفةَ في فلسفةِ سعاده ليست معرفةً نظريّةً جامدة، بل معرفةٌ فاعلةٌ موجَّهةٌ نحو العملِ والتغيير والارتقاء. ففي المحاضرة الثالثة، يوضّحُ أنّهُ لم يكن يطلبُ الإجابة على سؤاله – «ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟» – «من أجلِ المعرفةِ العلميّةِ فحسب»، لأنّ «العلمَ الذي لا يفيدُ كالجهالةِ التي لا تضرّ»، بل كان يسعى إلى اكتشافِ الوسيلةِ الفعّالةِ لإزالةِ أسبابِ الويل[5]. ومن خلالِ هذا النهجِ العلميِّ المنظَّم توصّلَ إلى أنّ فقدانَ السيادةِ القوميّةِ هو السببُ الأوّلُ لما حلَّ بالأمّة.[6] وهنا تتجلّى قيمةُ المعرفةِ في أعلى معانيها: معرفةٌ تقودُ إلى التشخيصِ الصحيح، والتشخيصُ الصحيحُ يفتحُ الطريقَ إلى العلاجِ والنهضة.

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ المعرفةَ هي أساسُ الإبداع؛ فالإبداعُ إنتاجُ العقلِ الحرّ المنفتح. والإنسانُ المقيَّدُ فكرًا لا يمكنُ أن يكونَ مبدعًا، لأنّ الإبداعَ يتطلّبُ إطلاقَ العقلِ في فضاءِ المعرفةِ ليجمعَ عناصرَها ويعيدَ تركيبَها في صورٍ جديدة. وقد أشار أرسطو في الميتافيزيقا (الكتاب الأول، الفصل الثاني) إلى أن «الدهشة هي التي تدفع الإنسان إلى الفلسفة»، أي إن المعرفة تبدأ بالسؤال والدهشة.[7]

وفي مقدّمةِ كتابِ «نشوءِ الأمم»، يربطُ سعاده بين المعرفةِ وبلوغِ الوجدانِ القومي، فيؤكّدُ أنّ ارتقاءَ الجماعةِ إلى وعيِ شخصيّتِها لا يمكنُ أن يتمَّ من دونِ فهمٍ عميقٍ لواقعِها الاجتماعيِّ وظروفِها وطبيعةِ العلاقاتِ التي تنشأُ في داخلِها[8]. فالمعرفةُ هنا ليست ثقافةً عامّة، بل هي معرفةٌ علميّةٌ بواقعِ المجتمع تكشفُ قوانينَ حياتِهِ ومجاريَ تطوّرِهِ. ومن دونِ هذا الفهم، تقعُ الأمّةُ في فوضى العقائدِ وبلبلةِ الأفكار، وتتعطّلُ طاقتُها الحيويّةُ وتتبدّدُ وحدتُها. لذلك، فإنّ درسَ المجتمعِ درسًا علميًّا صحيحًا يصبحُ شرطًا ضروريًّا لبقاءِ الأمّةِ وارتقائِها، لأنّ المعرفةَ هي التي تمنحُها وضوحَ الرؤية، وتوقظُ فيها التنبّهَ لمصالحِها والأخطارِ المحدقةِ بها.

وللمعرفةِ أيضًا بُعدٌ أخلاقيٌّ وإنسانيّ. فهي ليست تراكمَ معلوماتٍ فحسب، بل هي وعيٌ فاضلٌ ينمو مع نموِّ الإنسان، ويهذّب سلوكه ويُنَمّي مناقبيّتَه. وقد عبّر الفيلسوف إيمانويل كانط عن هذا المعنى حين ربط المعرفة بارتقاء الإنسان نحو النضج العقلي والأخلاقي، معتبرًا أنّ خروج الإنسان من حالة القصور إنّما يتمّ عبر استعمال عقله بحريةٍ ومسؤولية.[9]

وهذا المعنى يلتقي مع ما يؤكّده أنطون سعاده في «المحاضرات العشر»، إذ يرى أنّ العقل الإنساني لم يُعطَ للإنسان عبثًا، بل وُجد «ليعرف، ويدرك، ويتبصّر، ويميّز، ويعيّن الأهداف ويفعل في الوجود».[10] ومن خلال هذا العقل – «الشرع الأعلى» – يحقّق الإنسان حريته ويحدّد مصيره ودوره في المجتمع. فالمعرفة هنا ليست مجرّد إدراك، بل هي فعلٌ واعٍ ومسؤول يعبّر عن كرامة الإنسان ودوره في الحياة الاجتماعية. إنَّ العقل والمعرفة، حسب رؤية سعاده، وُجدا ليُوظّفا في خدمة الإنسان والمجتمع وفق مبادئٍ أخلاقيّة؛ إذ إن المعرفة بلا أخلاق لا تتحوّل إلى قوّةٍ بنّاءة، بل قد تصبح خطرًا على الفرد والأمّة.

وعلى مستوى المجتمع، تُشكِّل المعرفةُ رأسَ مالٍ فكريًّا حقيقيًّا، وتغدو أساسَ ما يُعرَف باقتصادِ المعرفة، حيث تصبح الخبرةُ والعلمُ والبحثُ العلميُّ مصادرَ إنتاجِ الثروةِ والقوّة. فالمجتمعُ الذي يمتلكُ المعرفةَ يستطيعُ أن يديرَ شؤونَهُ بنفسهِ، ويعالجَ قضاياهُ، ويصنعَ مستقبلَهُ، أمّا المجتمعُ الذي يفقدُ المعرفةَ فيسقطُ في الجهل، والجهلُ هو السببُ الأوّلُ في ضعفِ الأممِ وتفكّكِها. وفي تصوّرِ أنطون سعاده، لا تقفُ أهميّةُ المعرفة عند بُعدها الثقافيّ أو التربويّ، بل ترتقي إلى أن تكون ركنًا أساسيًّا في بنية الاقتصاد القومي نفسه، إذ يُعدّ الإنتاجُ المعرفي أحدَ ميادين الإنتاج الرئيسة إلى جانب الإنتاج الزراعيّ والصناعيّ والتجاريّ. فالمعرفة هنا ليست مجرّد معلومات أو ثقافة عامة، بل طاقة إنتاجية فعليّة تصنع الثروة، وترفع مستوى المجتمع، وتحصّنه من الفقر والتبعيّة. وبذلك يغدو المجتمع الذي يمتلك المعرفة قادرًا على فهم واقعه، وتنظيم موارده، وتطوير أدوات إنتاجه، وابتكار الحلول لمشكلاته، بينما يتحوّل المجتمع الذي يتخلّف في إنتاج المعرفة إلى مجتمعٍ ضعيفٍ فقير، يقع في الجهل والتبعيّة ويعجز عن بناء اقتصاده أو حماية وحدته.

إنّ الإنتاجَ المعرفيَّ يظلُّ في طليعةِ أشكالِ الإنتاجِ التي تحرّرُ المجتمعَ من التخلّف، وتحميهِ من الفقرِ والبؤس. ولذلك فإنّ الهدفَ الأسمى للتعلّمِ يجبُ أن يكونَ اكتسابَ المعرفةِ في مختلفِ مجالاتِ الحياة، لا لمجرّدِ التكديس، بل لبناءِ إنسانٍ حرٍّ قادر، ومجتمعٍ قويٍّ متماسك.

وهكذا تتجلّى رؤيةُ سعاده بوضوح: فبالمعرفةِ يميّزُ الإنسانُ بين الحقيقةِ والباطل، وبالمعرفةِ يصنعُ قوّتَهُ وحريّتَهُ، وبالمعرفةِ تبني الأمّةُ وحدتَها وسيادَتَها، وتشقُّ طريقَها نحو النهوضِ والمستقبل. ومع ذلك، تظلّ المعرفةُ قوّةً فعّالةً فقط حين ترافقها القيمُ الأخلاقيّةُ التي تُوجّه استخدامها، فتتحوّل حينها من قوّةٍ ذهنيّةٍ إلى طاقةٍ بنّاءةٍ تحمي المجتمعَ وتحصّنه، وتعزّز وحدتَه ونهضتَه. إنّ الأمّةَ التي تُنتجُ المعرفةَ وتوظّفها وفق أخلاقيّاتٍ عاليةٍ تملكُ مصيرَها، أمّا الأمّةُ التي تكتفي باستهلاكِها فتبقى أسيرةَ غيرِها، عاجزةً عن صياغة مستقبلها وبناء قوتها.


[1] أنطون سعاده، المحاضرات العشر، منشورات عمدة الثقافة، بيروت، طبعة 1976، ص 70.

[2] فرنسيس بيكون، التأملات المقدسة، 1597، التأمل العاشر (Scientia potentia est)..

[3] صاغ هذا الشعار عام 1948 وتحديداً يوم 16 حزيران على سجل خاص لشاب يافع من بيروت.

[4] يركّز المبدأ بالاستناد إلى الحقائق العلمية والتاريخية الثابتة، لأن اليقين بوجود الأمة الأساسي الرابع على معرفة حقيقة الأمة السورية في واقعها وتكوّنها وأصولها، لا يتم إلا بفهم علمي دقيق لواقعها.

[5] المحاضرات العشر، ص 48.

[6] المرجع ذاته.

[7] الميتافيزيقا، الكتاب الأوّل (ألفا)، الفصل الثاني (1.2)، حوالي السطر 982b.

[8] راجع مقدمة كتاب “نشوء الأمم”، طبعة 1976.

[9] Immanuel Kant, An Answer to the Question: What is Enlightenment? (1784), opening paragraphs.

[10] المحاضرات العشر، ص 127.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *