البربرية الإسرائيلية من التطهير العرقي إلى معسكرات الإبادة الحديثة

تُعد «الدولة العبرية» تجسيدًا صارخًا لما يُصطلح عليه «الحداثة الوحشية»  ـ  نموذج دولة حديثة تأسست على الإقصاء والعنف المنظم، وتستمد وجودها من الإبادة المستمرة للآخر. لم تكن المجازر في تاريخها استثناءً، بل كانت البنية التأسيسية التي يقوم عليها كيانها السياسي، المولود من رحم المشروع الصهيوني الذي وصفه قادته الأوائل، مثل تيودور هرتزل وفلاديمير جابوتنسكي، صراحةً بأنه «مشروع استعماري» و«مغامرة استعمارية». هذه ليست دولة انحرفت عن مسارها، بل هي الوريث الأشرس للخيال الاستعماري الذي يرى الأرض بلا شعب، ويُجيز محو السكان الأصليين رمزيًا وجسديًا.

الجذور: الصهيونية كإطار استعماري

يصف علماء وباحثون كثر، من إدوارد سعيد إلى إيلان بابيه ونعوم تشومسكي، الى المفكر والفيلسوف انطون سعاده، الصهيونية بأنها شكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني. الفارق الجوهري هنا عن الاستعمار الكلاسيكي هو أن الهدف ليس استغلال السكان الأصليين اقتصادياً فحسب، بل استبدالهم وإزالتهم لصالح مجتمع المستوطنين. لطالما كان هذا الهدف حاضرًا في الخطاب الصهيوني التأسيسي. ففي مؤتمر باريس للسلام 1919، تحدث حاييم وايزمان عن أمل أن تصبح فلسطين «يهودية كما إنجلترا إنجليزية»، مقارنًا المشروع بما حققه الاستعمار الفرنسي في تونس. بدأت هذه الرؤية بالتجسيد عبر مؤسسات تحمل اسم «الاستعمار» في صلبها، مثل «الجمعية اليهودية للاستعمار» و«الصندوق الاستعماري اليهودي«.

كانت النكبة عام 1948 الحدث التأسيسي الذي حول هذه الإيديولوجية إلى واقع دموي. نتج عنها طرد وتشريد حوالي 750,000 فلسطيني وتدمير أكثر من 500 قرية وحيّ فلسطيني. لم يكن هذا «حادثًا» عارضًا، بل حملة تطهير عرقي ممنهجة. وقد ارتُكبت خلالها سلسلة من المجازر البشعة لترويع السكان وإجبارهم على مغادرة ارزاقهم واملاكهم، ابرز هذه المجازر:

 مجزرة دير ياسين (نيسان/أبريل 1948): نفذتها عصابتا الأرجون وشتيرن الإرهابيتان، فقتلت بين 250 و360 مدنياً بين أطفال ونساء وشيوخ، وذُبحت نساء حوامل.

· مجزرة اللد (تموز/يوليو 1948): نفذتها وحدة كوماندوس بقيادة موشيه دايان، حيث أُبيد العشرات من الرجال بعد استسلامهم ونفاد ذخيرتهم.

· مجزرة الطنطورة (أيار/مايو 1948): ذُبح فيها أكثر من 200 شخص كجزء من عملية التطهير العرقي.

· مجزرة الدوايمة (تشرين الأول/أكتوبر 1948): نفذتها كتيبة كوماندوس صهيونية، وقُتل فيها مئات الأشخاص، وكان من بين الضحايا 30 امرأة وطفلاً على الأقل بحسب تقارير أممية.

سياسة التهجير والاستيطان الممنهج

لم تتوقف سياسة التهجير بعد 1948. وهي تُنفذ اليوم بأدوات «حديثة» قضائية وإدارية لطمس الوجود الفلسطيني، خاصة في القدس.

 تهجير القدس وسلوان: تواجه بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى «عاصفة تهجير ثالثة» بعد تهجيري 1948 و1967. تستهدف المخططات الإسرائيلية إخلاء مئات الفلسطينيين لصالح مشاريع استيطانية و«حدائق توراتية»، مستخدمة أساليب الضغط النفسي والاقتصادي لإجبار العائلات على هدم منازلها بأيديها أو المغادرة «طوعاً».

· عزل القدس: يجري تنفيذ مخططات مثل «القدس 2050» و«إي 1» لربط القدس بمستوطنات الضفة الغربية، وبناء آلاف الوحدات الاستيطانية على أراضٍ مثل مطار قلنديا، بهدف عزل المدينة تمامًا عن محيطها الفلسطيني وإفشال أي احتمال لقيام دولة فلسطينية متصلة.

عنف المستوطنين: ذراع الدولة لتحقيق الأهداف الاستعمارية وفي الضفة الغربية المحتلة، يُستخدم عنف المستوطنين كأداة فعالة لتحقيق الهدف الاستعماري نفسه: إخلاء الأرض من سكانها الأصليين. وسجلت الأمم المتحدة حوالي 2000 هجوم للمستوطنين ضد الفلسطينيين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. في النصف الأول من عام 2025 وحده، سُجلت 757 هجوماً، بزيادة 13% عن الفترة ذاتها من العام السابق.

· التواطؤ الرسمي: غالبًا ما يحدث هذا العنف بدعم أو مشاركة القوات الإسرائيلية، ويتمتع بمناخ من الإفلات التام من العقاب. تقول منظمة «يش دين» الإسرائيلية إن 3% فقط من هجمات المستوطنين تؤدي إلى إدانة.

· التهجير القسري: أدى هذا العنف إلى نزوح قسري لأكثر من 1500 فلسطيني في السنة الأولى بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، وحوالي 3200 فلسطيني من مجتمعات الرعاة والبدو منذ ذلك التاريخ. الهدف واضح: «تجهيز مساحات واسعة من الضفة الغربية المحتلة من السكان الفلسطينيين».

التمييز المنهجي: عنف الدولة داخل الخط الأخضر داخل إسرائيل نفسها، يعاني الفلسطينيون (عرب 48) من عنف ممنهج وتواطؤ دولة. وفي عام 2025، قُتل 252 فلسطينياً من عرب الدخل في جرائم عنف، بمعدل يفوق 15 ضعفاً عن نظيره في المجتمع اليهودي.

هناك اتهامات بوجود اتفاق غير مكتوب مع العصابات الإجرامية لتركها تعمل في البلدات العربية مقابل امتناعها عن دخول المدن اليهودية.

المقاومة الفكرية:

أنطون سعاده نموذجاً لقراءة الجذور وطرح البديل«

»وهكذا، لا تظهر الوحشية الإسرائيلية كسلوك منفصل، بل كنتيجة لمشروع استعماري استيطاني (صهيوني) واجه – ولا يزال – واقعاً عربياً يعاني من أزمات الهوية والتجزئة التي حذر منها أنطون سعاده. إن مواجهة هذا المشروع، وفق رؤية سعاده، تتطلب أكثر من المقاومة المسلحة أو الدبلوماسية؛ فهي معركة وجودية تستدعي نهضة قومية شاملة تبدأ بتجاوز الانقسامات الداخلية وبناء إرادة موحدة، لأن تحرير فلسطين، في النهاية، هو تحرير للأمة من عوامل ضعفها، وهو الطريق الوحيد لقطع دابر الوحشية المدعومة بإفلات من العقاب.

من منطق الإبادة إلى معسكر الاعتقال الجماعي

تختزل غزة اليوم ذروة هذا المنطق. لقد تحولت، تحت الحصار والحرب، من ساحة صراع إلى «معسكر اعتقال بحجم مدينة»، تُدار عبر سياسات التجويع والتدمير الشامل والعقاب الجماعي تحت شعارات حداثية زائفة. كما قال رئيس إسرائيل إسحاق هر تسوغ، فإن الحرب هي دفاع عن «الحضارة الغربية وقيمها»، مكرراً بذلك تبرير الاستعمار التاريخي نفسه.

الدولة الإسرائيلية، في جوهرها، هي نموذج لدولة لا تعرف نفسها إلا بما تقصيه وتبيده. وحشيتها ليست سلسلة انتهاكات منفصلة، بل هي اللغة الأصلية والشرط الوجودي لمشروع استعماري استيطاني، ما زال حتى يومنا هذا يمارس، بتقنيات أكثر تطوراً وقسوة، نفس سياسات الطرد والإبادة التي أسس بها نفسه.

يشكل عنف المستوطنين المدعوم من الدولة، في تحليل سعاده، الوجه العملي للـ’غزو الفكري’ الاستيطاني، الذي يجد في واقع التجزئة والضعف العربي تربة خصبة لتحقيق هدفه القديم-الجديد: إخلاء الأرض من سكانها الأصليين، وهي استراتيجية لم يتوقف تحذير سعاده من عواقبها الكارثية إلا ببناء قوة ردع قومية موحدة.»

بهذه الطريقة، يصبح فكر سعاده عدسة تحليلية تثري البحث، تربط الممارسات الإسرائيلية اليومية بجذورها الإيديولوجية، وتقيم الواقع العربي بنفس المعايير النقدية، وتقترح حلاً متكاملاً يجمع بين التحرير والبناء الداخل

أن مواجهة هذا المشروع اليهودي/الصهيوني بحاجة الى استراتيجية قائمة على رؤية فكرية متكاملة ترفض التجزئة وتؤمن بوحدة المصير، كما دعا إليها المفكر  والفيلسوف الزعيم انطون سعاده.

سليمان بو سعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *