طمئنوا الشعب إلى حريته يُلقِ سلاحه من غير طلب

إن المواطنية ليست شعارًا يتزيّن به المواطن، وليست قولًا دون أفعال يردده المواطن ليتباهى به أمام أبناء شعبه أو الشعوب الأخرى، بل إن المواطنية هي حب الوطن، إنها الوجدان القومي العميق الذي يرفع ويرتقي بالروح الإنسانية عن كل فردية وأنانية، وهي التي تطرد من نفس كل فرد من أبناء المجتمع الحقد واللؤم والضغينة تجاه أي فرد آخر من أبناء المجتمع. فالمواطنية فعل ذوبان مصالح الفرد الروحية والمادية في المصلحة العامة للأمة التي هي فوق كل مصلحة.

والمواطنية هي وعي قومي اجتماعي لحقيقة الاجتماع الإنساني، الحقيقة الكلية للإنسان-المجتمع، وهي حركة محبة اجتماعية متفاعلة مترابطة منصهرة في وحدة الحياة لا تتجزأ ولا تتفرق ولا تفرّق، إنها واحدة في كل اعتقاد فلسفي وديني ومذهبي، لأن لا قيمة للاعتقاد الذي لا يخدم الإنسان-المجتمع وغرض ارتقائه في هذه الحياة.

ومن هنا فإن حب الوطن هو حب كل شبر فيه، وكل فرد فيه، لأن لا وطن دون شعب ولا شعب دون وطن، الوطن السوري. والمواطنية، هذا الحب العظيم للوطن، هي الدافع القوي للنفس لإنتاج عظمة جمال الفكر وفخر الصناعة وجودة الغلال، وهي تأمين مصلحة حياة المجتمع العامة، وأكبر مصالح هذا المجتمع هي الدولة المعبرة عن سياسة وحقوق الشعب. وانطلاقًا من هذا الإيمان، فإن العمل السياسي للدولة يجب أن يصون ويحمي حقوق المجتمع في كل شؤون حياته النفسية والمادية التي تؤمّن كرامته الإنسانية.

غير أن ضعف الأمة السورية لم يكن إلا نتيجة التجزئة إلى دول مصطنعة وحكومات مفتعلة وفساد أنظمتها المنبثقة من نظرات فردية ومصالح فئوية دينية مذهبية قبلية وعرقية، المخالفة لأبسط تعريف المواطنية. وإذا أردنا مثالًا واضحًا لفساد الدولة المصطنعة ونظامها، سنأخذ لبنان نموذجًا، إذ قامت الدولة بقرار من المفوض السامي الفرنسي، وقام النظام في لبنان على الشراكة الإسلامية المسيحية وتفريعاتهما المذهبية تحت عنوان الصيغة، وبئس الشراكة التي كانت وبئس الصيغة التي كانت، إنهما منتج فاسد لا يقترب من المواطنية بشيء، إذ إن المساواة بين أبناء الشعب الواحد مفقودة على الصعيد السياسي، والحقوقي، والاجتماعي، والاقتصادي.

وقد أدى هذا المنتج، الصيغة، إلى فقدان المواطنة القومية وإلى إبعاد أفراد كثيرين عن القضايا القومية المصيرية في فلسطين وفي كيليكيا والإسكندرون وغيرهما، بل وأبعد أناسًا لا يُستهان بعددهم عن المسائل التي تخص الكيان اللبناني المعلن من قبل المفوض السامي زورًا.

لسنا هنا بصدد الحديث عن إخفاقات هذا النظام التحاصصي البغيض، ولا عن التناحر الطائفي المسبب لهذا الانقسام الحاد، والتجزئة القاتلة، ولا عن فساد الإدارة وارتهان القضاء والتدهور الاقتصادي وسرقة أموال الشعب وغياب التعليم الرسمي وغياب القدرة على الطبابة، ولا عن كل الحقوق التي من واجب الحكومة تقديمها إلى جميع المنتجين فكرًا وصناعةً وغلالًا دون إجحاف، ولا عن سوء تركيب الحكومات من الخارج، ولا عن تدخل الدول الخارجية في الشؤون السياسية والسيادية والاقتصادية.

إنما المقصود الإشارة إلى أن العدو استباح لبنان وقصف الأهالي الوادعين في بيوتهم وحقولهم ومصانعهم ومدارسهم ومستشفياتهم، وجرف وفجّر قرى عديدة في جنوب لبنان، ولم تحرك الحكومة ساكنا لمناصرة أبناء شعبها.

فالحكومة العاجزة كانت وما زالت، وأن الحكومات ليس في برنامجها الدفاع عنه، فاقتنى اللبناني السلاح وتدرّب بجهد أهلي وقاتل دفاعًا عن بيته وأرضه وكل لبنان انتصارًا لحياته وكرامته. وهو لم يستعمل السلاح ليفتك بأبناء شعبه، بل استعمله في وجه العدو اليهودي وغير اليهودي الطامع بأرضنا وبلادنا.

واليوم تريد الحكومة من المواطن أن يتجرد أولًا من وطنيته، وثانيًا من سلاحه، رغم أنه للدفاع عن الوطن، ويستشهد المقاوم حبًا بالوطن وحبًا بمواطنيه. وتعلل ذلك، باسم السيادة، وعن أي سيادة تتحدث الحكومة؟

وهذا لبنان نموذجً عن كل الحكومات في الأمة السورية، وما يجري في لبنان عينه يحصل في الدول السورية المصطنعة جهلا ودرايةً لما يخططه العدوّان اليهودي والمستعمر الأجنبي. فإذا كانت الحكومة تريد السلاح، فعليها تأمين المواطنين في بيوتهم وأرزاقهم، حتى يشعر الأهالي أن مصيرهم محمي من قبل الحكومة، «طمئنوا الشعب إلى حقه وحريته فيُلقِ إليكم سلاحه من غير طلب.»    سعاده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *