سعاده في مواجهة الخيانة الخائن في نظر سعاده: التشخيص والعلاج ـ الحلقة الثالثة عشرة (13)

لا ينظر سعاده إلى الخائن كمجرد شخص ضعيف أو منحرف أخلاقياً، بل يراه «عدواً فعالاً» للأمة. فهو ليس مجرد مارق عابر، بل هو «ظاهرة مركبة» تجمع بين المرض الأخلاقي والعداء الفعّال. والخائن، كما يصفه سعاده، هو متلون ومتملّق ومساوم ويلجأ دائما إلى الكذب والرياء والنفاق واعتماد المواقف الذليلة والعبث بنظام الحزب ومعنوياته وإلى ارتكاب سلوك سيء لا يتفق مع الروحية القومية. ومثال عن هذه النوعية من الخونة، نجده في حالة صلاح لبكي الذي قبل سعاده تعيينه بشكل مؤقت نائبا إدارياً له أثناء وجوده في السجن ومحاكمته الأولى، فأخذ «يجعل مطامعه الانتخابية، التي كان يجد فيها مصالحه الرئيسية، فوق الإخلاص لعقيدة الحزب ونظامه.»[1] وقد طرده سعاده «بسبب إفشاء أخبار الحزب وخروجه على النظام وتخلّيه عن المسؤوليات في ساعات حرجة، ودعوته إلى السياسة الرجعية المتعلقة بالنيابة ومنافعها في نظام فاسد.»[2]

1. الخائن كمحرف للفكرة ومشوه للعقيدة

الخائن الفكري، في منظور سعاده، هو من «يحاكي تعاليم سعاده محاكاة الببغاوات» دون فهم جوهري، فيتحول من متبع إلى «مشوه لوعي الأمة». وهو الذي «ينتحل صفة الزعامة» ويحاول «تشويه مبادئنا بأقوال وأفعال مناقضة كل المناقضة لروح العقيدة». وهذا النوع من الخونة «يضرب الحركة من داخلها في مقتل». لذلك يكتب سعاده: «أنّ الحزب ليس كغيره تنخر عظمه المفاسد من الداخل وهو يسترها خشية الفضيحة، بل هو حزب لا يصبر على الفساد، لأنه يريد بنيته سليمة صالحة لإقامة النظام وحمل عبء الحركة. والقاعدة التي وضعها الزعيم في هذا الصدد هي: مئة عدو في الخارج خير من خائن واحد في الداخل».[3]

2. الخائن كغادر بالثقة الشخصية والاجتماعية

على المستوى الشخصي، يتحول الخائن إلى من «يغدر بالثقة» و«يخون الأمان»، كما في حالة جبران مسوح الذي «أخذ من حساب المنفذية العامة مبلغ ستماية بيزو من غير أن يدري أحد لماذا وأين صرفها». وهذه الخيانة المالية هي تجسيد لخيانة أعمق هي خيانة «الرابطة الاجتماعية» و«العقد الأخلاقي» الذي يربط أفراد الأمة. وحالة صلاح لبكي، الذي، برأي سعاده، وفَّقَ بين العمل القومي الاجتماعي والغايات الشخصية، تُشكِّل مثالاً لخيانة مبدأ الثقة الذي اعتبره سعاده «من أهم عوامل قوة الحزب».[4] فقد كان موقفه بخصوص مسألة الشيخ عزيز الهاشم مخيباً لسعاده الذي ظن «أنّ صلاح لبكي الذي ولاه نيابته أثناء سجنه يعرف كيف يصون حرمة الزعامة ويؤيد روح الثقة ويردع المشككين عن العمل المنحط عن مستوى المناقب القومية الاجتماعية.»[5]

  • الخائن كناقل للانحلال

يعتبر سعاده أن الخيانة الفكرية هي علة تؤدي إلى مرض انعدام الثقة بالنفس، محذراً من ضرورة مقاومتها مبكراً قبل استفحالها. فهو يرى في المجتمع الذي «يفسح للخيانة مجالاً» مجتمعاً مريضاً، قد يصل في دركات الانحطاط إلى درجة أن يصير «مجتمعاً لا يستحق البقاء، لأنه فقد شرط وجوده الأساسي وهو الثقة».

ويشرح سعاده الآلية التي تتحول بها الخيانة الفكرية إلى علّة وجودية في «المحاضرة الأولى في الندوة الثقافية»، حيث يؤكد أن استمرار الانحرافات داخل البنية الفكرية يقود حتماً إلى «انعدام الثقة بأنفسنا وإلى الشك في مقاصدنا وطبيعتنا وحقيقتنا.»[6]

من هذا المنظور الشامل، يقدم سعاده الحل الحاسم وهو، أولاً، «تنقية الصفوف» كي لا يصل الحزب إلى حالة التفسخ والتفكك. يقول في خطابه عام 1938: «إنّ عملية تنقية الحزب السوري القومي من العناصر الفاسدة غير الصالحة لحمل الرسالة القومية المجددة ابتدأت مع ابتداء الحزب، ويجب أن تستمر ليكون الحزب متيناً جديراً بحمل أعباء النهضة القومية.»[7] وثانياً، «قطع دابر الخيانة»، انسجاماً مع وصيته الشهيرة: «إني أوصيكم بالقضاء على الخيانة أينما وجدتموها، لأنه إذا لم نتخلص من الخيانات لا نبلغ الغاية.»[8] لا يوجد مجال للمساومة مع الخونة، لأن التسامح مع الخيانة هو بداية انهيار الثورة. ويوضح سعاده أن أول إقصاء للعناصر غير الصالحة من الحركة حدث بعد بضعة أسابيع على تأسيس الحزب، إذ لجأ إلى التظاهر بحل تنظيمه السري وتأجيل الدعوة إلى فرصة أخرى. ويقول: إن دارسي «نشأة الحزب السوري القومي وتطوراته واختباراته يعلمون أن الحادث المذكور كان ذا أهمية فاصلة في إنشاء عهد جديد، ودليلاً على إدراك بعيد للمستقبل ونظرة عميقة في شؤون المجتمع الاجتماعية والسياسية.»[9]

في مقال «المثالية الأولى يتحدث سعاده عن عملية استئصال المفاسد التي تسربت إلى الحزب أثناء غيابه:

هذه هي الحالة التي جعل الزعيم كل همّه الأول تغييرها واستئصال مفاسدها والقضاء على عواملها وعمالها. فطهّر الدوائر الحزبية العليا من المصابين بأمراض التهدم والتراخي والتسوية والأنانية وأعاد قيمة المسؤولية إلى حقيقتها الفعلية، كما أنه طهّر المجتمع القومي الاجتماعي من العقائد الفاسدة التي تسربت إليه بواسطة الأنانيين الذين أهملوا العقيدة القومية الاجتماعية ليعملوا لغاياتهم الخصوصية التي جعلوا من الحزب ونظامه مطية لها.[10]

.


[1] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد السادس 1942 – 1943، كنا وسنكون.. الخيانة تتكلم (وتتفلسف)،

[2] إلى عضوي اللجنة المفوضة، 01/08/1939.

[3] رسالة الأرجنتين – النهضة القومية، سورية الجديدة، سان باولو، العدد 78، 10/8/1940.

[4] وفاة خائن جاسوس – الشيخ عزيز الهاشم، الزوبعة، بيونس آيرس، العدد 54، 15/10/1942.

[5] المرجع ذاته.

[6] أنطون سعاده، المحاضرات العشر 1948، طبعة 1976، بيروت، ص 21.

[7]  أنطون سعاده، سعاده في أول آذار، خطاب عام 1938، ص 35.

[8] المرجع ذاته، ص 50.

[9] أنطون سعاده، الأعمال المصنفة – مجلد تاريخ الحزب (الجزء الأول)، “نظرة الحزب السوري القومي الإدارية في أوروبا”.

[10] المثالية الأولى.

 ادمون ملحم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *