بهجت رزق وكتابه بالفرنسية حول الازدواجية بين السياسي والثقافي

بهجت رزق في كتابه بالفرنسيّة L’AMBIVALENCE DU POLITIQUE ET DU CULTUREL: 35 ANS AU SERVICE DE L’UNESCO الصادر الآن في باريس عن Erickbonnier في سلسلة Encre orient هو رؤيته للازدواجية القائمة بين السياسي والثقافي، في دراسة بنيويّة، في 156صفحة من القطع الوسط، بمراجع، وغلاف أنيق، ومقدّمة رياديّة، حائرة، بفطنة وذكاء، تتأرجح بين طموح وقلق، إذ يرى الأستاذ رزق أن النزاعات الثقافيّة، بين سكّان هذا الكوكب السائر، موطننا، ناتجة عن الصراعات الحضاريّة منذ خمسة آلاف سنة، وما تلاها منذ أن وُلدت الكتابة، ثمّ تأصّلت مع الدعاوى الدينيّة، مُعترفاً بأنه لم نتوصّل بعد إلى تعريف موحّد لماهيّة الثقافة حقيقةً، متّصلةً بالفلسفة والسياسة، فيتوقّف عند الهزّة الفكريّة التي أحدثها سنة 1971 عالِمُ الأنثروبولوجيا وعضوُ الأكاديميا الفرنسية كلود ليفي شتراوس بمحاضرته الشهيرة “العِرْق والثقافة” التي ألقاها في باريس بدعوة من منظمة اليونيسكو في 22 آذار/مارس 1971.

على مدى خمسة وثلاثين عاماً كان فيها بهجت رزق فاعلاً في مسؤوليته الثقافية في منظّمة الأونيسكو في باريس، هي تجربته التي أوصلته إلى قناعته بأنّ الثقافة في بعدها الحضاري والتّاريخي والتّراثي قلق وجودي تنامى في وجدانه منذ نصف قرن الحرب في وطنه، وأوصله إلى الغضب الذي به افتتح كتابه فواصلَ بحثه عن معايير الهوية، كما في كتابيه الهوية الهاربة و الهوية الثقافية اللبنانية المتعدّدة وقد تكون قاصمة صَدمتُهُ بتَحوُّل منظمة اليونيسكو مع الوقت من مختبرٍ حضاريٍّ للأفكار وواحةٍ واسعةٍ للثقافات إلى بُؤْرةٍ عقائديةٍ يتجاذَبُها أصحابُ القرار السياسيون والاقتصاديون.

لا عجب إذاً أن يكونَ إحساس الأُستاذ رزق مؤرقاً، هو اللبناني الطموح، حاملاً في وجدانه الوطني حضور والده المعلّم إدمون رزق، داعياً إلى اعتماد الثقافة فضاءً للحضارة والعلاقات الإنسانية السامية. من هنا وضْعُهُ لكتابه عنوانَه الثانويّ “35 سنة في خدمة الأونيسكو”، ودعوَتُه إلى إعادة النظر في كونيّة المنظّمة عالميةً شاملةً، كما نصّ نظامُها عند تأسيسها وفي تأطيرٍ مُعاصرٍ مفهومَ الهوية يعانقُ تلازُمَ الأُمّة والهويّة. وخلُص من كل ذلك إلى ضرورة أن تستعيدَ منظّمةُ الأونيسكو جوهرَ رسالتها التأسيسيّة الذي استحال، مع قضم السنواتِ ألَقَ مسيرَتِها، إلى ضغوطِ الدُول الاعضاء بيروقراطياً وظيفيةٍ جعلَت رسالتَها الأُمّ باهتةً وشبهَ معدومةِ الفاعلية. وهو كان انتسبَ يوتوبيّاً إليها، مدفوعاً بأنّها “مختبرُ الأفكار الخلّاقة التي تغيّرُ اتّجاه أيّ مسيرةٍ ومسارٍ في العالم”، وبأنها الموطن الطبيعي لتفعيل مفهوم الأُمّة والهويّة كما نادى به المؤرّخ اليوناني هيرودوت وكما تأسّس عليه ميثاق الأونيسكو. ولإيضاح الأمر أكثر، خصّص المؤلّفُ النصفَ الآخر من كتابه لمعايير هيرودوت عن الهويّات الثقافية الجَماعيّة، بين مفاهيم الدين واللغة والتقاليد والعِرق، والمزاوجة بين الدولة/الأُمّة والتعدُّدية الثقافيّة.

يحقُّ للأُستاذ رزق أن يقلقَ وأن يأرقَ، فالعهدُ عهدُ أرق وقلق، ويحقُّ له أن يغضبَ على 35 عاماً صرفَها في منظمة الأونيسكو دون أن يتبدّل الكون أو يتغيّر، فما ان خرج العالم من الحرب الباردة إلى العولمة حتى صدمته حداثة فالتةً من عقالها بإغراقها في الماديّة وابتعادها عن روحيّة جوهر الوجود، ومن هنا كتاب بهجت رزق دعوةٌ إلى إعادة النظر في الواقع الراهن وفهمه والنهوض به إلى إنسانيّة ترقى به إلى الوعي فالهناء وإزاحة القلق الوجودي.

محمود شريح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *