فعلتها السلطات النقدية والمالية في البلاد وقررت منذ فترة رفع سعر الصرف الرسمي من 1,507 ليرات للدولار إلى 15,000 ليرة للدولار، أي بما يوازي عشرة أضعاف، بالتوازي مع رفع الدولار الجمركي، في قرار مفاجىء رمى فيه وزير المال كرته الحارقة ليباغت بذلك الأسواق والمواطنين من دون تقديم أي تفسيرات أو تبريرات لهذه الخطوة العشوائية في ظلّ ظروف صعبة واستثنائية يمرّ بها الاقتصاد الوطني منذ ما يقارب ثلاثة أعوام، على أن يبدأ العمل بهذا القرار تدريجياً في مطلع شهر شباط القادم. وهو ما يعني قراراً واضحاً بالمضي قدماً في رحلة تعويم أو تحرير تدريجي لسعر الصرف بما يتماشى مع مطالب صندوق النقد الدولي دون الأخد بعين الاعتبار ما قد ينجم عن ذلك من محاذير قد تطال الاقتصاد الوطني بكافة جوانبه.
أولاً، لهذا القرار تداعيات قاسية على مشهد تضخّم الأسعار إذ أن رفع سعر الصرف الرسمي بالتوازي مع رفع سعر صرف الدولار الجمركي سيكون لهما تأثيرات واضحة على مجمل أسعار السلع والخدمات، من أسعار السلع المستوردة والمحلية بشكل عام إلى كافة العقود المقوّمة بالدولار كالإيجارات ورسوم القيمة التأجيرية، ناهيك عن كافة رسوم الدولة وضرائبها، يضاف إليها أسعار ما تبقّى من سلع مدعومة كالطحين وأدوية السرطان والأمراض المزمنة، دون أن ننسى مفاعيل الضريبة على القيمة المضافة والتي ستُحتسب بعد إلحاق الدولار الجمركي وسعر الصرف الرسمي الجديد في تركيبة سعر أي سلعة، ناهيك عن القروض المصرفية المقيّمة بالدولار من قروض السيارات والقروض الشخصية الأخرى. من هنا، فإن هذا الواقع المستجدّ يُنذر بتفلّت أكبر في الاسعار خاصةً إذا لم تتفعّل الرقابة على آلية التسعير المعتمدة، وكأن المواطنين لا يكفيهم نسبة تضخم تجاوزت الـ1,000% منذ نهاية العام 2019 وفق أرقام الإحصاء المركزي، جعلت لبنان يحتل المرتبة الأولى عالمياً وفق نسب تضخم الأسعار. ما يعني باختصار بأننا أمام مزيد من التآكل في القدرة الشرائية وبالتالي المزيد من الإفقار مع حرمانهم من أي شبكة أمان اجتماعي.
ثانياً، إن رفع سعر الصرف الرسمي بهذا الشكل الصاروخي والعشوائي دون أي تدرّج ومع غياب فاضح لأي دراسات كافية من قبل المعنيين لتقييم تداعياته المرتقبة على كافة جوانب الاقتصاد الوطني، يشكّل بحدّ ذاته جريمة اقتصادية في وقت يعاني فيه الاقتصاد الوطني من انكماش حادّ، إذ أن تآكل القدرة الشرائية سيخفّض حُكماً من مستوى الاستهلاك، ما يعني تراجعاً إضافياً في حركة الاستيراد الذي سيزيد بدوره من حدّة الإنكماش الاقتصادي، لاسيما وأن أجور القطاع العام في لبنان لن ترتفع في المتوسط أكثر من 3 أضعاف كحدّ أقصى، في وقت من المرتقب أن يرتفع كلّ من سعر الصرف الرسمي بـ10 أضعاف، وإن من المتوقع أن يعدّل مصرف لبنان التعاميم 151 و158 في الأول من شباط لتتماشى مع سعر الصرف الجديد وتُسدّد بذلك الودائع المصرفية بالدولار على أساس سعر صرف 15,000 ليرة، ولكن قد يلجأ هنا المركزي إلى خفض سقف السحوبات المصرفية إلى النصف تقريباً للإبقاء على نفس المبلغ الذي كان يُسحب في السابق.
ثالثاً، إن قرار وزير المال سيكون له تداعيات ثقيلة على رساميل الشركات والمصارف التي كانت تعدّ ميزانياتها بالليرة والدولار والتي كانت تودع رساميلها بالليرة على سعر صرف 1,500 ليرة للدولار، أي أن شركة برأسمال مليون دولار على سبيل المثال، أي ما يوازي مليار ونصف المليار ليرة سابقاً، سيصبح رأسمالها حوالي 100 ألف دولار، وهو ما من شأنه أن ينعكس سلباً على الشركات المرتبطة بالعمل مع الخارج أو تلك العاجزة عن رفع رأسمالها في ظلّ هكذا ظروف، ما يعني أيضاً بأن ملكية هذه الشركات قد تتغيّر بحسب قدرة المساهمين فيها على ضخّ الأموال لرفع رأسمالها، ناهيك عن أن الضرائب والرسوم ستستحق عليها على أساس سعر الصرف الجديد.
رابعاً، إن رفع سعر الصرف الرسمي من شأنه أن يساهم “نظرياً” في لجم الطلب على الدولار في ظلّ تآكل القدرة الشرائية والاستهلاكية الكابح لعمليات الاستيراد، ولكن في المقابل، هذا القرار من شأنه أن يضخّم الكتلة النقدية بالعملة الوطنيّة، لأنّ التحصيل والدفع سيكون كلّه بالليرة اللبنانية على أسعار متضخّمة، مما سيغرق السوق من جديد بأحجام كبيرة من الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، ما من شأنها أن تُرخي بثقلها على سعر الصرف في السوق الموازية، بشكل غير مباشر، لاسيما في ظلّ تفلّت السوق الموازية والناجم عن غياب الرقابة وفقدان الثقة وعمليات المضاربة من قبل التجار والمحتكرين أو غيرهم من المستفيدين، وفي وقت فقد مصرف لبنان قدرته نسبياً على تمويل التعميم 161، مما يعني بأن سعر الصرف في السوق الموازية قد يتّبع مساراً تفلتّياً جديداً إن لم يترافق مع إجراءات تصحيحية بنيوية هي وحدها كفيلة في تغيير مسار سعر الصرف في المدى المتوسط.
خامساً، إن قرار وزير المال الرامي إلى تعديل سعر الصرف الرسمي بالاستناد إلى المادتين 75 و83 من قانون النقد والتسليف، كما أشار في بيان وزارة المال، يشكل ثغرة قانونية ويفتح المجال أمام العديد من الانتقادات حول قانونية هذا القرار، إذ أن هاتين المادتين لا علاقة لهما بمسألة تحديد سعر الصرف وإنما تصبّان في خانة آلية تمويل الخسائر التي يتحمّلها مصرف لبنان بسبب فروقات سعر الصرف جرّاء تدخلاته بائعاً وشارياً في سوق القطع، بشكل استثنائي، عبر استعمال جزء من الاحتياطيات الأجنبية لديه، وبالتالي ما حصل هو بمثابة محاولة تغطية قانونية للمرحلة الماضية على مدى السنوات الثلاث المنصرمة تحديداً وبالتالي شطب قيمة الخسائر للمرحلة القادمة.
أمام هذا الواقع، لا شكّ في أن تحرير أو تعويم سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار هو مطلب اقتصادي لتوحيد أسعار الصرف المتعدّدة وإنهاء حالة الفوضى السائدة في سوق الصرف. ولكن في الاقتصاديات المدولرة وغير المتقدّمة كما هو حال لبنان، فإن مسألة تحرير سعر الصرف قد يكون لها تداعيات سلبية على الاقتصاد أو بالأحرى متطلبات أساسية لتفادي تداعيات عملية التعويم المرتقبة: أولاً، يحتاج تحرير سعر الصرف إلى استقرار اقتصادي، وتحديداً اقتصاد منتج يحقق نسب نمو اقتصادية، لتحقيق بعض التوازن في النظام المالي ولضبط سعر الصرف بعد التعويم، وهو ما يفتقده لبنان اليوم في ظل انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 50 مليار دولار إلى ما دون 19 مليار دولار. ثانياً، يحتاج تحرير سعر الصرف إلى استقرار سياسي، إذ أي خضة سياسية قد تؤدي إلى تفلّت كبير في سعر الصرف. ثالثاً، يحتاج تحرير سعر الصرف إلى غياب للفساد وشفافية مطلقة في السياسة الاقتصادية والمالية والنقدية وقدرة من قبل المؤسسات المالية المرجعية على التدخل لضبطه في حال حدوث خضات سياسية أو اقتصادية، وهو ما يفتقده اليوم مصرف لبنان في بلد تكثر فيه الخضات السياسية والاقتصادية ويعاني من سوء إدارة وفساد متغلغل. رابعاً، يستحيل تحرير سعر الصرف قبل تحديد الخسائر المالية وتوزيعها ومعالجتها، فاللحظة التي سيتم فيها اعتماد سعر صرف عائم وموّحد، بشكل يعكس قيمة الدولار الفعلية بحسب موازين العرض والطلب، ستكون لحظة انكشاف كتلة ضخمة من الخسائر المتراكمة داخل مصرف لبنان والمصارف، بعد أن يتمّ تقويم الالتزامات الضخمة للمودعين بحسب قيمة الدولار الجديد في مقابل الموجودات الضئيلة بالعملات الصعبة.
باختصار، فإن ضبط سعر الصرف بعد تعويمه يحتاج إلى استعادة للثقة وبالتالي إلى تدفق للعملة الصعبة من الخارج، وهو ما سيعتمد على قدرة الخطة الإنقاذية على إعادة الانتظام المالي ومعالجة الخسائر بشكل جذري، وبالتالي فإن المضي في تعويم حرّ لسعر الصرف في ظل هذه الظروف المأساوية ودون معالجة الاختلالات الماكرو اقتصادية القائمة يشكّل بحدّ ذاته جريمة اقتصادية واجتماعية قد لا تُغتفر.
د. فادي قانصوه