افتقاد السياسيين

نجيب نصير

( في إحدى الليالي في السبعينيات، قامت دوشة في البناية التي أسكنها، أيقظت سكان الحارة، إذ جاءت الشرطة للقبض على شاب من الجيران، معروف بتناوله للممنوعات، تم تكبيل الشاب وإلقائه في السيارة، وكان والده يعترض على معاملته بقسوة لأنه ليس سياسي، وإنما مجرد حشاش، ومع مغادرة الشرطة، رفع الوالد يديه للسماء شاكراً، لأن ابنه ليس سياسياً وسيعود من السجن في يوم معلوم )

سال حبر كثير، في وصف حالة افتقاد شعوبنا وأوطاننا للسياسة، قد مر زمن طويل، وهذه البلدان خاوية من السياسة بمعناها الصريح والمتداول في كل أصقاع الأرض، حيث تمت المداوراة والمناورة والمواربة، حول تعريف عملي للسياسة في بلاد علمت أولادها في المدارس، أن السياسة وممارستها واجب وطني، يجب على من يمتلك قدرات سياسية أن يضعها في خدمة وطنه، ومن لا يفعل يصبح بحكم الخائن. ولكن هذا الكلام لم يكن إلا حبرٌ على ورق، في مناهج التربية المدنية، ومن ثم التربية الوطنية، ومن بعدها (في بعض هذه البلدان) كانت التربية القومية الاشتراكية، وكلها أجمعت على أن ممارسة السياسة واجب وطني، ولكن الحقيقة كانت أن أي فعل سياسي أو ممارسة فعلية لهذا التكليف التربوي الوطني العام، انطلاقاً من إعادة تعريف «الوطني» ومن ثم «السياسي»، نظرياً بطريقة شوهاء، تحاصر الناس بشروط جديدة ومفاجئة عن هذين التعريفين، اللذان صارا بديهيان لا يحتاجان إلى اشتراطات قضائية من النوع العرفي، مما يؤدي إلى خضوع ممارسي السياسة من الموالين أو من المواطنين الطبيعيين أو من المعارضين الذين يبغون ممارسة حقهم البديهي (كما تربوا في المدارس) على المشاركة بتنمية أوطانهم  للافتخار بها، ولكن الجميع تعرض للاعتقال والاضطهاد في نهاية الأمر. حيث تتحدد المسألة بدقة، في إطار حق الإدلاء بالرأي والرؤيا بتسالم، وبثقة المخلص لوطنه، أي ممارسة السياسة تحديداً، وإبراز المهارات عملياً، طالما أن الثقة بوطنية الممارس ومواطنيته فعالة ومن بديهيات أضواء القانون المسلطة على الجميع. وابتلاع هذا الحق، يحتاج إلى مواربة قانونية تشوهه وتحاصره تعريفاً ووجوداً. وهذا مما يصنع تربوياً، من أي شعب شعباً منافقاً، يعشق الدكتاتور وأفعاله وحتى أمنياته، ويسارع إلى تأدية فروض الطاعة والولاء، حتى يأتي طاغية آخر، يتراكض الشعب لتقديم واجب الخضوع والمذلة لإرادته «الحكيمة». وهنا يبدو الحبر الكثير الذي سال في التنبيه لضرورة وجود سياسة وسياسيين، كان على صواب، ولكن بعد خراب البصرة، ومن هذا الخراب انهيار القيم التربوية حول المساواة، المكون الأساسي للعدالة، عبر الخضوع لقوانين نصيبها من الصحة والمنطقية تساوي الصفر، وأصبحت طاعة القوانين واجبة، لمجرد أنها صدرت على ورق «رسمي»، من دون النظر إلى مرجعياتها الدستورية والأخلاقية والمعرفية، وكذلك من دون النظر إلى أسباب صدورها، لإنه وببساطة لا يوجد سياسيون، يصوبون أو يناقشون هذه المسائل، وهنا يبدأ الحبر بالسيلان، في انتظار وجود سياسيين مع كامل الشوق لرؤية بلد معافى، يواجه وجوده عبر مقدرته على المنافسة بناء على تحد عمومي لإنتاج وطن أفضل.

كل السياسيين عملاء وخونة، من وجهة نظر السلطة، التي لا تتردد في وصف نفسها بالدولة، رغم إغفال وجود معارضة من لدنها، أو حتى سياسيين محايدين ( سياسيي التكنوقراط مثالاً) يقولون الحقيقة كما هي، فالفقيه الدستوري هو سياسي محايد، وكذلك مهندس الكهرباء المستبعد سياسياً من حل أزمة كهرباء بلده، هو مستبعد، ( ولا ننسى هنا أن السياسيون هؤلاء مهما كان نوعهم مراقبون من الشعب والصحافة والنقابات والأحزاب، إبعادا عن شهوة الفساد)، وكل ذلك خوفاً من وجود سياسيين يشجعون على الانتظام الاجتماعي، عبر ممارسة المساواة على أرض الواقع، وهنا الطامة الكبرى عند السلطات السياسية وغيرها، فهم لا يرون أنفسهم مساوون للشعب، ولا الشعب مساوٍ لبعضه، فتسقط السياسة ومعها السياسيون في الشرخ التأسيسي «للدولة».

السياسيون هم جهاز رقابة على بعضهم البعض، فمن يجرؤ على الفساد، ينبري له زملاؤه رافعين زمامير الخطر، محاسبةً وتقريعاً، ومن يخطئ في التقنيات الحقوقية و البروتوكولية، يظهر هؤلاء كحماة للحقيقة والصواب، في عملية تنافسية، تسالمية، غير شخصية، هذا ما سال الحبر عليه، دون اهتمام أية سلطة له، فهي موجودة بفعل الغلبة، حيث أوصلنا هذا الفعل إلى ما نحن عليه بعد الانقلابات العسكرية المتتابعة التي تعرضت إليها بلداننا.

لا يوجد في بلداننا سياسيون محترفون، يعرضون أنفسهم وأفعالهم للمحاسبة كرماً للوطن والمواطنين، هذا الافتقاد يعرض وطن المواطن للفناء، وتبقى بلدان الرعايا موجودة على الخارطة، بانتظار أمر كان مفعولا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *