كونوا قوة حياة

قراءة في دعوة سعاده إلى الإيمان والعمل والصراع

د. ادمون ملحم

ليست الحياة، في مفهوم أنطون سعاده، أن يولد الإنسان ويأكل ويعمل ويمضي أيامه ثم يرحل. الحياة الحقيقية أن يشعر أنه جزء من مجتمعه، وأن يتألم لألمه ويفرح لتقدمه، ويتحسس حاجاته، ويدرك أن عليه واجبًا تجاه أمته ووطنه.

وقد عبّر سعاده عن هذا المعنى في مأتم والدة نعمة ثابت سنة 1938 بقوله:

«النكبة هي في الإنسان الذي يعيش وكأنه ميت لا يتحسس حاجات محيطه ولا يشعر مع قومه بما يضرهم وما ينفعهم، ولا يدرك أن عليه واجبات نحو أمته ووطنه».[1]

إنه تعريف للحياة يتجاوز الوجود الفردي. فالإنسان الحي هو الذي يشعر ويفهم ويتحمل المسؤولية ويعمل. أما اللامبالاة بما يصيب المجتمع، والوقوف موقف المتفرج من آلام الناس ومصير الأمة، فهما شكل من أشكال الموت المعنوي.

لا مكان للمتفرجين

لهذا لم يرد سعاده القومي الاجتماعي منعزلًا عن مجتمعه أو مكتفيًا بإعلان إيمانه بالعقيدة. أراده حاضرًا في حياة شعبه، مدركًا حاجاته، عاملًا على تحسين أوضاعه.

وفي تأبين ميشال زكور، تحدث عن «إدراك حاجات الشعب… الضرورية والكمالية»، وربط النهضة بتوحيد الشعب وإزالة الحواجز الطائفية وتثبيت المجتمع «على أساس اجتماعي اقتصادي متين».[2] ثم قال للقوميين:

«ثقوا بأنفسكم، لأنكم إذا وثقتم بأنفسكم وثقتم بعقيدتكم وبعملكم التعميري».[3]

هكذا ينتقل خطاب سعاده من حاجات الشعب إلى مسؤولية النهضة، ومن مسؤولية النهضة إلى مسؤولية القومي. فالعقيدة التي لا تجعلنا أكثر إحساسًا بمعاناة الناس وحاجاتهم، والانتماء الذي لا يتحول إلى واجب وعطاء وتضحية، يفقدان الكثير من معناهما.

ثقوا بأنفسكم

كان سعاده يعرف أن الأمة التي تفقد ثقتها بنفسها تنتظر خلاصها من الآخرين. ولذلك جعل استعادة الثقة بالنفس جزءًا من معركة النهضة.

وفي خطاب دده ـ الكورة سنة 1948، وصف الصراع بأنه صراع بين «الإيمان بالذات» و«الثقة بالنفس والاعتماد عليها»، من جهة، وبين «الخمول والكسل والاتكال» من جهة أخرى.[4]

وفي خطابه في الشوف قال:

«ثقوا بأنفسكم… واعتصموا بإرادتكم قبل كل شيء، ولا تهتز أعصابكم حين الخطر».[5]

فالثقة بالنفس عند سعاده ليست غرورًا، بل تحرر من العجز والاتكالية، واستعداد للعمل والصراع. كما أن العقيدة ليست أفكارًا نحفظها فقط، بل أخلاق نحياها

فالقومي الاجتماعي لا يُعرف بما يقوله عن العقيدة فقط، بل بما يحياه منها.

لا حياد حين يختلط الحق بالباطل

وهنا نصل إلى ناحية أساسية في معنى الالتزام: القومي المؤمن بقضيته لا يستطيع أن يقف على الحياد بين الحق والباطل، ولا بين الخطأ والصواب، حين تكون المبادئ والقيم والمصلحة العامة في الميزان.

وقد كان سعاده شديد الوضوح في هذه المسألة. ففي رسالة إلى منفذ عام منفذية بوينُس آيرس سنة 1946، عالج حالة من «التفكك والتضعضع» أصابت بعض الوحدات الحزبية، وربطها بالابتعاد عن «العمل القومي الصحيح»، وبالاهتمام بالوظائف والمظاهر، وبعدم تنزيه العمل القومي عن «الغايات والمآرب الخصوصية».[6]

وقال:

«وحيث لا قتال بين الخير والشر، وحيث يجتمع الفساد مع الطهر، لا يوجد قضية مقدسة ولا إيمان بقضية مقدسة».[7]

وحذّر في الرسالة نفسها من «التراخي وعدم المبالاة وملازمة الحياد تجاه اختلاط الحق بالباطل».[8]

إنها كلمات لا تحتمل الالتباس: لا حياد حين يختلط الحق بالباطل.

وهذا لا يعني تحويل الاختلاف في الرأي إلى خصومة أو تخوين. فالمقياس ليس الأشخاص ولا المواقع ولا الولاءات، بل العقيدة والنظام والأخلاق والمصلحة العامة.

ومن هنا يجب أن يمتلك القومي الوعي والشجاعة للتمييز بين نهج يجعل المسؤولية وسيلة للتسلط والمنفعة الشخصية والمآرب الخصوصية، فيضعف المؤسسات ويقود الحزب إلى التراجع والتفكك، وبين نهج قومي اجتماعي صحيح يجعل المسؤولية واجبًا وخدمة وتضحية، ويعمل على نهوض الحزب وتقدمه وقوته وفلاحه.

فالوفاء للحزب لا يكون بالسكوت عن الخطأ، ولا بالولاء للأشخاص على حساب القضية، بل بأن تبقى القضية فوق الأشخاص، والمبادئ فوق المصالح، والمصلحة العامة فوق المنافع الخصوصية.

وقد اختصر سعاده هذا المعنى بقوله:

«الحق ليس موجودًا في العالم، إلا حيث توجد نفوس تصون الحق».[9]

العودة إلى ساحة الجهاد

لكن سعاده لم يرد أن يبقى الإيمان والثقة والأخلاق مواقف داخلية، بل أرادها أن تتحول إلى فعل في قضايا الأمة.

ففي خطابه يوم عودته إلى الوطن في 2 آذار 1947، لم يعتبر الاستقلال نهاية الطريق، بل ذكّر القوميين مباشرة بالخطر المحدق بفلسطين، وقال:

«إن جهادنا يستمر، ويجب أن تذكروا دائمًا أنّ فلسطين السورية… مهددّة تهديدًا خطرًا».[10]

ثم ختم كلمته بالدعوة:

«إنّ كلمتي إليكم أيها القوميون الاجتماعيون هي العودة إلى ساحة الجهاد».[11]

هذه هي العودة الحقيقية إلى سعاده.

ليست أن نحفظ كلماته ونرددها، ولا أن نستحضر بطولات الماضي ونكتفي بالاعتزاز بها، بل أن نستعيد روح العمل والواجب والصراع؛ وأن نكون حيث تكون قضية الأمة وحيث يكون شعبنا في خطر أو حاجة أو معاناة.

واليوم، فيما فلسطين تنزف، وأجزاء من وطننا تتعرض للاحتلال والدمار، ويعاني شعبنا الفقر والتهجير والقلق على المستقبل، لا يكفي أن نسأل: ماذا قال سعاده؟

السؤال الأهم هو: ماذا نفعل نحن بما قاله سعاده؟

هل نشعر مع قومنا بما يضرهم وما ينفعهم؟ هل نتحسس حاجات شعبنا؟ هل نقف إلى جانب الحق عندما يختلط بالباطل؟ وهل لا تزال العقيدة فينا قوة تدفع إلى الفعل، أم أصبحت كلمات نحفظها ونرددها؟

لقد أراد سعاده القوميين قوة حياة في أمتهم: أصحاب عقيدة، وأخلاق وإرادة وفعل.

فكونوا كما أرادكم سعاده: قوة تبني، وإرادة لا تستسلم، ونفوسًا تصون الحق وتنهض بالأمة.

ثقوا بأنفسكم. تمسكوا بعقيدتكم. عودوا إلى شعبكم وهمومه. انحازوا إلى الحق. قوموا بواجبكم. واعملوا واصبروا وصارعوا من أجل الأمة التي آمنتم بها.

بهذا الإيمان، وبهذه الإرادة، يجب أن نعمل لنكون قوة حياة في سبيل أمة عظيمة تستحق أن نحيا من أجلها. فنحن حزب أخلاق وعمل وصراع وقتال، ونحن أبناء نهضة لا تتزعزع. وبإيماننا الراسخ، وأخلاقنا ومبادئنا، نمضي بثبات، واثقين من النصر.


[1] أنطون سعاده، «كلمة الزعيم في مأتم والدة الرئيس نعمة ثابت»، النهضة، بيروت، العدد 99، 11 شباط 1938.

[2] أنطون سعاده، «كلمة الزعيم في تأبين ميشال زكور»، الجمهور، بيروت، السنة الأولى، العدد 39، 28 حزيران 1937.

[3] المرجع نفسه.

[4] أنطون سعاده، «خطاب الزعيم في دده ـ الكورة»، 17 تشرين الأول 1948، صدى الشمال ـ صوت الجيل الجديد، بيروت، العدد 7، 8 تموز 1958.

[5] أنطون سعاده، «خطاب الزعيم في الشوف»، 1937، نقلًا عن نشرة عمدة الإذاعة، بيروت، المجلد 3، العدد 7، 30 أيلول 1947.

[6] أنطون سعاده، «إلى منفذ عام منفذية بوينُس آيرس»، 20 كانون الثاني 1946، الأعمال الكاملة، المجلد الحادي عشر، 1946–1949.

[7] المرجع نفسه.

[8] المرجع نفسه.

[9] أنطون سعاده، «خطاب الزعيم في دده ـ الكورة»، مرجع سابق.

[10] أنطون سعاده، «خطاب الزعيم يوم وصوله إلى الوطن»، 2 آذار 1947، صدى النهضة، بيروت، العدد 245، 5 آذار 1947.

[11] أنطون سعاده، «خطاب الزعيم يوم وصوله إلى الوطن»، 2 آذار 1947، صدى النهضة، بيروت، العدد 245، 5 آذار 1947.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *