نظام مارديني
يومًا بعد يوم نكتشف أن الصراعات في القرن الحادي والعشرين لم تعد تدور فقط حول امتلاك الوقائع بقدر ما تدور حول امتلاك القدرة على تفسيرها وإعادة إنتاجها في الوعي المجتمعي العام.
لم تعد معركة مستقبلنا بين مجتمع وغير مجتمع، بل هي بين مجتمع يصنع ذاته، ومجتمع يصنع صورته فقط. الأولى تبني العقل والمواطنة والقدرة على التغيير، والثانية تكتفي بالمظاهر والشعارات والانطباعات السريعة، وعندما يتحوّل المجتمع من معلومات تُستهلك إلى قيم تُمارس، ومن أقوال تُردّد إلى أفعال تُترجم، عندها فقط يمكن أن نقول إن مجتمعاتنا بدأت تخرج من دائرة الاستهلاك الفكري إلى فضاء النهضة الحقيقية التي تخرج من بلبلة الأفكار إلى وضوح الرؤيا؛ لأن المجتمعات لا تُبنى بالانعزال، بل بوحدة الحياة بين عناصرها، وبعمق ما تُطبّق من قيم تاريخها الممتد منذ بدء الكون. فالمجتمعات التي تستثمر في بناء الذاكرة القومية على أسس علمية، وتُخضع تراثها للمراجعة المنهجية لا للمزايدات الأيديولوجية، تمتلك ميزة استراتيجية تتجاوز المجال الثقافي إلى السياسة والاقتصاد والأمن. ولهذا فإن تشريح الوعي التاريخي ليس مشروعًا أكاديميًّا معزولاً، بل هو استثمار طويل الأمد في صناعة الإنسان/ المجتمع القادر على التمييز بين المعرفة والدعاية، وبين الهوية الراسخة والهوية المصنوعة.
تلك الصورة تختصر جانبًا مهمًّا من فكرة العمل الجماعي؛ فالإنجاز المجتمعي في كثير من المجالات يحتاج إلى أكثر من موهبة واحدة، وأكثر من زاوية نظر، وأكثر من تجربة فردية. وقد يستطيع الإنسان/ الفرد أن يحقق نجاحًا شخصيًّا بجهده الخاص، غير أن المجتمعات والمؤسسات التي تتعامل مع القضايا المعقدة تحتاج إلى طاقات متعاونة تستطيع أن تجمع المعرفة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار في اتجاه واحد. ومن هنا تصبح الجماعة وسيلة لتوسيع قدرة الفرد، وتحويل الجهد المتفرق إلى طاقة قادرة على إنتاج أثر أكبر لمجتمعه. والمجتمعات التي استطاعت بناء مؤسسات مستقرة لم تعتمد على إلغاء المبادرة الفردية، وإنما عملت على وضعها داخل إطار جماعي يتيح لها النمو والتأثير. فالموهبة الفردية تحتاج إلى بيئة، ثقافية واجتماعية وسياسية وحتى اقتصادية، تمنحها فرصة الظهور، والعمل الجماعي يحتاج إلى أفراد يمتلكون القدرة على التفكير والمبادرة وتحمّل المسؤولية. ومن هنا لا تبدو العلاقة بين الفرد والجماعة علاقة تناقض، وإنما علاقة تكامل؛ فالفرد يمنح المؤسسة فكرته وخبرته وإبداعه، والمؤسسة تمنحه المجال الذي يجعل هذه القدرات أكثر قدرة على الوصول إلى النتائج.
تكمن قوة العمل الجماعي في قدرته على تحويل الاختلاف إلى مصدر للإثراء. فاختلاف الخبرات وطرق التفكير يمكن أن يكشف زوايا جديدة للمشكلة، ويمنح الفريق قدرة أكبر على اختبار أفكاره قبل تحويلها إلى واقع. ولذلك فإن المؤسسة التي تخشى الاختلاف وتبحث دائمًا عن رأي واحد تفقد فرصة مهمّة للتعلّم، بينما المؤسسة التي تحسن إدارة الاختلاف تستطيع أن تجعل من الحوار وسيلة للتطوير، ومن تعدّد الآراء طريقًا للوصول إلى قرارات أكثر نضجًا، لذلك نحتاج إلى قراءة تحليليّة عميقة لمفهوم الوعي المجتمعي بوصفه المحرك غير المرئي للحراك الحضاري والدعامة الأساسية لاستقرار المجتمع. وهو إذ يسلّط الضوء على الدور المنوط بالمثقف والنخبة الفكرية في لحظات المنعطفات التاريخية، فإنه يحذّر من مصيدة السجالات اليومية والاستقطاب السياسي، وداعيًا إلى تأسيس رؤية إيجابية تبني العقل الجمعي وتصون روح الأمة من التفكك والتضليل، وتمنح المجتمع قدرًة على التمييز بين الخلاف الطبيعي والانقسام الهدّام. لذلك فإن الاستثمار الحقيقي ليس في إدارة الأزمات بعد وقوعها، وإنما في بناء عقل جمعي يمتلك المناعة الفكرية التي تجعل من الوعي خطّ الدفاع الأول عن استقرار الشعوب ونهضتها.
المعرفة الحقيقية للمجتمع لا تنمو في المساحات الخالية من النقد، فالأحداث الكبرى لم تكن يومًا لوحات أحادية اللون، بل هي تركيبات معقّدة صاغتها دوافع بشرية تتأرجح بين المصالح والمخاوف. إنّ خوض المعارك الفكرية لا يتطلّب سلاحًا بقدر ما يتطلب بصيرة حادة تُفرّق بين الحقيقة القومية الساطعة وأوهام الانعزال المحبوك. ففي عالم تتزاحم فيه الروايات وتُباع فيه القناعات الجاهزة، يبرز التاريخ ليس كأرشيف للمواقف الميتة، بل كميدان حقيقي لحماية العقل الجماعي وضمان استقلاله الفكري.
كان عالم الاجتماع أنطون سعاده قد رأى منذ ثلاثينيات القرن الماضي أنّ بناء مدرسة فكرية تتبنّى المنهج العلمي التحليلي الصارم هو السبيل الوحيد لإخراج المجتمع من صمته، ومواجهة السطحية الفكرية التي تروّجها المنصات المفتوحة؛ فمن لا يملك زمام روايته الحضارية بمنهج قومي مستقلّ، يترك الساحة لغيره ليكتبها نيابة عنه وفق أهوائه.
فالعالم يقف فعلاً اليوم على حافة مرحلة جديدة. لكن هذه الحافة ليست بالضرورة مقدمة للسقوط، بل قد تكون أيضًا لحظة إعادة بناء. فالخطر كبير، لكنّ الفرصة قائمة لمن يفهم التحولات مبكرًا، ويبني المرونة، ويوازن بين المصلحة والقيم، وبين الانفتاح والحماية، وبين المنافسة والتعاون. والتحدي الحقيقي أمام مجتمعاتنا هو أن تتعلم كيف تتحرك في عالم لم تعد قواعده جاهزة، ولم يعد فيه الاستقرار نتيجة تلقائية، بل أصبح مشروعًا يحتاج إلى رؤية، وقدرة، واستعداد دائم للتكيف. وعلى مجتمعاتنا أن تتأكد أن العالم الراهن يشهد تحوّلاً جيوسياسيًّا عميقًا لم تعد فيه المخاطر السياسية والأمنية شؤونًا منفصلة عن الاقتصاد والأسواق والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والإعلام الذي يطلق الإشاعات.
والخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في كذب المعلومة، وإنما في قدرتها على ملامسة المخاوف العميقة لدى الناس. فالإشاعة الناجحة ليست تلك البعيدة عن الواقع تمامًا، وإنما التي تقف عند حافّة الحقيقة، فتخلط الوقائع بالاحتمالات، وتبني سردية قادرة على إقناع الجمهور ولو جزئيًّا. لهذا تنتشر بعض الأخبار بسرعة مذهلة، لأنها تخاطب القلق الجمعي أكثر مما تخاطب العقل النقدي.
سيكولوجية الإشاعة تقوم أساسًا على ثلاثة عناصر: الغموض، والخوف، وغياب المعلومات الدقيقة. حين يشعر الناس أن الحقيقة غير واضحة، تبدأ العقول بملء الفراغ عبر التخمين والتأويل وإعادة إنتاج القصص. لذلك لا تنمو الإشاعة في البيئات المستقرّة والواضحة بالدرجة نفسها التي تنمو فيها داخل البيئات المتوترة والمشحونة بالقلق وعدم اليقين.
والمجتمعات (كمجتمعنا) التي تعيش أزمات سياسية أو اقتصادية أو أمنية تكون أكثر حساسية تجاه الشائعات، لأنّ الإنسان في أوقات القلق يبحث عن أي تفسير سريع لما يحدث حوله، حتى لو كان هذا التفسير هشًّا أو غير منطقي. وفي مجتمعنا، حيث تراكمت التحوّلات والصدمات خلال سنوات طويلة، أصبحت الإشاعة جزءًا من المشهد اليومي، تتنقل بسرعة هائلة بين الهواتف وصفحات التواصل، وتجد من يصدّقها ويعيد نشرها قبل أن يسأل عن مصدرها أو خلفياتها.

