نحو تشكيل جبهات وطنية شاملة لحماية كيانات الأمة والعالم العربي

د. نبيلة غصن

تمرّ كيانات الأمة كما العالم العربي والإقليمي بمرحلة تاريخية مفصلية، تتشابك فيها الضغوط الخارجية مع الأزمات الداخلية والصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، في ظل هجمة إمبريالية–استعمارية متصاعدة تقودها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وتستخدم أدوات عسكرية وسياسية واقتصادية وإعلامية وأمنية لإعادة تشكيل موازين القوى والجغرافيا السياسية بما يخدم القوى المهيمنة ويكرّس التفوق الصهيوني ويضعف قدرة المجتمعات على امتلاك قرارها ومصيرها.

في هذا الظرف، لم يعد التشرذم السياسي مشكلة يمكن تأجيلها، ولا الخلافات الحزبية والفكرية شأناً ثانوياً. فعندما تتعرض الكيانات الوطنية لضغوط تستهدف سيادتها ووحدتها واقتصادها واستقرارها، يصبح الانقسام الداخلي عاملاً من عوامل الضعف الاستراتيجي. لذلك تبرز الحاجة إلى الانتقال من التنافس المستنزف إلى التكامل، ومن الحسابات الحزبية الضيقة إلى رؤية تجعل المصلحة الوطنية العليا نقطة التقاء مختلف القوى والتيارات.

إن تشكيل جبهات وطنية شاملة داخل كيانات العالم العربي والإقليمي ليس تحالفاً انتخابياً عابراً أو صفقة مؤقتة أو محاولة لإلغاء التعدد السياسي والفكري، بل هو محاولة لإعادة بناء القدرة الوطنية على مواجهة مرحلة تتطلب الوعي والتنظيم والتنسيق.

لماذا الجبهات الوطنية الآن؟

لم تعد التحديات منفصلة: الأزمة الاقتصادية ترتبط بالقرار السياسي، والقرار السياسي بالسيادة، والسيادة بالقدرة الاقتصادية، والاستقرار الاجتماعي بالعدالة، والأمن بتماسك المجتمع. كما أن الضغوط الخارجية قد تجمع بين العقوبات والحصار والحرب الإعلامية والتدخل الأمني وإثارة الانقسامات الداخلية. لذلك تحتاج المواجهة إلى استراتيجية شاملة تجمع السياسة والاقتصاد والمجتمع والإعلام، والثقافة والأمن والمعرفة. فالولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من أدوات التأثير، بينما يمثل الكيان الصهيوني مركزاً متقدماً لمشروع يسعى إلى تكريس التفوق وإعادة رسم بيئة المنطقة وفق مصالحه. ولا يمكن مواجهة منظومة ضغط متعددة الأدوات بمجتمعات مفككة وقوى وطنية متصارعة.

ولا يعني ذلك اختزال أزمات المنطقة في العامل الخارجي أو إعفاء القوى الداخلية من مسؤولياتها، بل إن قوة المشاريع الخارجية تتعاظم عندما تجد داخلاً ضعيفاً ومنقسماً ومأزوماً. ومن هنا تبدأ مواجهة التدخل الخارجي بإعادة بناء الداخل.

حماية الكيان ومواجهة التفتيت

من أخطر المخاطر تحويل الاختلاف الطبيعي بين مكونات المجتمع إلى انقسامات وجودية. فالطائفية والمذهبية والمناطقية والعشائرية والإثنية تصبح أدوات خطرة عندما تتحول إلى مشاريع سياسية متصارعة على حساب وحدة الكيان.

وحماية الكيان الوطني لا تعني إنكار التعدد، بل بناء صيغة تجعل التعدد مصدر غنى لا سبباً للصراع. فالجبهة الوطنية لا تسأل المواطن أولاً إلى أي طائفة أو منطقة أو تيار ينتمي، بل ما الذي يمكن فعله معاً لحماية الوطن. وهكذا تتحول الوحدة الوطنية من شعار أخلاقي إلى ضرورة استراتيجية، ويصبح الإطار الجامع أقوى من عوامل الانقسام.

سقوط رهانات الاستقواء بالخارج

تثبت التجارب أن القوى الخارجية تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية، حتى عندما تتقاطع مؤقتاً مع مصالح قوى داخلية. لذلك لا يعني الاستقلال الانغلاق أو رفض العلاقات الدولية، بل أن تكون العلاقات الخارجية في خدمة المصلحة الوطنية، لا بديلاً عن الإرادة الوطنية.

والجبهة الوطنية يجب أن تكون مستقلة في قرارها؛ فالمطلوب ليس استبدال تبعية بأخرى، بل بناء قدرة وطنية مستقلة تسمح بالتعامل مع مختلف القوى الدولية والإقليمية من موقع المصلحة الوطنية.

-الاقتصاد والمجتمع جزء من المعركة

لا يمكن بناء جبهة وطنية فوق مجتمع منهك اقتصادياً واجتماعياً. فالفقر والبطالة وتراجع الطبقة الوسطى وغياب العدالة وانهيار الخدمات وتآكل القدرة الشرائية تؤثر مباشرة في الاستقرار، وتزيد احتمالات الهجرة والاستقطاب والارتهان لشبكات الزبائنية.

لذلك يجب أن تمتلك الجبهة برنامجاً اقتصادياً يقوم على دعم الإنتاج، وحماية العمل، ومكافحة الفساد، وإصلاح الإدارة، وتعزيز التعليم، وتطوير الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، واستعادة دور الدولة في حماية المجتمع. فلا سيادة سياسية بلا حد أدنى من السيادة الاقتصادية.

-التنوع قوة لا سبب للتناحر

لا يستطيع حزب واحد، مهما بلغت قوته، أن يمثل المجتمع كله. فالمجتمعات تضم قوميين ويساريين وليبراليين وإسلاميين ومدنيين ونقابيين ومستقلين، وشباباً، وفاعلين ثقافيين واجتماعيين.

ولا تطلب الجبهة الوطنية من هذه القوى التخلي عن هوياتها أو أفكارها، بل تحديد المساحة المشتركة التي تستطيع العمل فيها. ويمكن الاتفاق على السيادة والاستقلال والوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية ورفض الاحتلال والهيمنة الخارجية، مع بقاء الخلاف حول الاقتصاد والنظام السياسي والسياسات الاجتماعية مجالاً للتنافس الديمقراطي. والنضج السياسي هو معرفة ما يجب الاتفاق عليه وما يمكن الاختلاف حوله.

الحد الأدنى المشترك والديمقراطية

تحتاج الجبهة إلى ميثاق واضح يتضمن: السيادة الوطنية واستقلال القرار، حماية وحدة الكيان والمجتمع، رفض الاحتلال والعدوان والهيمنة الخارجية، حماية الحقوق الأساسية، العدالة الاجتماعية، مكافحة الفساد والمحاصصة والزبائنية، بناء اقتصاد وطني منتج، احترام التعدد السياسي والفكري، الاحتكام إلى المؤسسات والقانون، وحماية القرار الوطني من الارتهان الخارجي.

كما يجب أن تقوم الجبهة نفسها على الديمقراطية، من خلال قيادة جماعية، وتمثيل متوازن، وشفافية مالية وإدارية، وآليات واضحة لحل الخلافات. وينبغي أن تبقى إطاراً تنسيقياً لا حزباً جديداً يبتلع الأحزاب المشاركة فيه، بحيث يشعر كل طرف بأنه شريك حقيقي لا تابع.

من الجبهة الانتخابية إلى الجبهة المجتمعية

لا ينبغي اختزال الجبهة في تحالف انتخابي، فالانتخابات محطة وليست مشروعاً تاريخياً. يجب أن تكون حاضرة في النقابات والجامعات والبلديات والمؤسسات الثقافية والاقتصادية، وفي قضايا الشباب والتعليم والعمل والإعلام، وأن تمتلك مراكز دراسات ولجاناً اقتصادية، واجتماعية، وقانونية، وإعلامية.

والشباب يجب أن يكونوا قوة تأسيسية لا مجرد جمهور انتخابي، من خلال إشراكهم في صناعة القرار والبحث والإعلام والاقتصاد الرقمي والتخطيط الاستراتيجي، وتقديم مشروع يجعل البقاء في الوطن خياراً ممكناً.

من الدفاع عن الكيان إلى بناء القدرة الوطنية

الجبهة الناجحة ليست جبهة «ضد» الخارج فقط، بل جبهة لبناء الداخل: مجتمع متماسك، واقتصاد منتج، ومؤسسات فعالة، وتعليم نوعي، وثقافة وطنية حية، وإعلام قادر على مواجهة التضليل، وقدرات علمية وتكنولوجية تجعل المجتمع فاعلاً لا منفعلًا.

كما ينبغي إعادة تعريف الأمن الوطني، فهو ليس عسكرياً فقط، بل اقتصادي وغذائي ومائي واجتماعي وثقافي، وتكنولوجي، وإعلامي، وسياسي. وإذا كانت أدوات السيطرة متعددة، فإن أدوات التحرر يجب أن تكون متعددة أيضاً.

-نحو ميثاق وطني تاريخي

يمكن للقوى الوطنية الانتقال من الخطاب إلى الفعل عبر صياغة ميثاق وطني جامع يحدد المبادئ غير القابلة للمساومة، وآليات اتخاذ القرار، وقواعد الشفافية والتمويل، وسبل فض النزاعات، والبرنامج الاقتصادي والاجتماعي، والرؤية المتعلقة بالسيادة والعلاقات الخارجية. ويجب أن يكون الميثاق مفتوحاً أمام القوى الوطنية المختلفة، لا وثيقة تفرضها جهة واحدة.

خاتمة

إن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة عميقة لطريقة عمل القوى الوطنية. ففي الوقت الذي تتحرك فيه القوى الكبرى وفق استراتيجيات طويلة المدى، لا يجوز أن تبقى القوى الوطنية أسيرة الحسابات الضيقة والمنافسات الحزبية والشخصية. ومع تعدد أدوات الصراع الإمبريالي–الاستعماري، لا يمكن مواجهتها بجزر سياسية منفصلة.

إن الهجمة التي تقودها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تجعل حماية كيانات الأمة مسؤولية تتطلب أعلى درجات التماسك والوعي والتنظيم. لكن مواجهتها لا تعني إلغاء الديمقراطية أو فرض أيديولوجيا واحدة، بل حماية التعدد ضمن إطار وطني جامع، بحيث يبقى الاختلاف مشروعاً ولا يتحول إلى ثغرة في جدار السيادة.

المعركة الحقيقية هي معركة الإرادة والوعي والقرار والقدرة. ومن يخسر استقلال تفكيره يفقد تدريجياً قدرته على حماية استقلاله، ومن يسمح بتفكيك مجتمعه يجعل مهمة خصومه أسهل. لذلك فإن تشكيل الجبهات الوطنية الشاملة في مختلف كيانات الأمة لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية.

المطلوب ليس الاتفاق على كل شيء، بل الاتفاق على ما لا يجوز أن يسقط: الوطن، والسيادة، ووحدة المجتمع، وحقه في تقرير مصيره، والعدالة الاجتماعية، ورفض الاحتلال والهيمنة، وبناء اقتصاد منتج، وحماية الإنسان وكرامته.

فالوحدة الوطنية ليست أن نتشابه، بل أن نعرف كيف نختلف من دون أن نتفكك؛ وليست التخلي عن أفكارنا، بل معرفة متى تصبح المصلحة العليا أكبر من خلافاتنا. وفي هذه اللحظة التاريخية، يصبح بناء الجبهات الوطنية الشاملة ضرورة من ضرورات البقاء، وشرطاً لاستعادة المبادرة، وطريقاً لحماية الحاضر وصناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *