معًا نصنع النهضة: من الفردية إلى قوة العمل المنظم

لا تُبنى النهضات بالمواهب الفردية وحدها، ولا بكثرة المتحمسين، ولا بمجرد اجتماع عدد من الأشخاص حول فكرة عامة. فقد يكون في الجماعة أصحاب علم وكفاءة وإرادة، ولكن جهودهم تبقى محدودة إذا عمل كل واحد منهم في اتجاه منفصل، أو إذا تحولت الاختلافات بينهم إلى تنافس شخصي، أو إذا غاب النظام الذي يجمع أعمالهم في خطة واحدة.

ولهذا كان أنطون سعاده واضحًا في تأكيد أن القضايا العامة لا تتحقق بجهد فردي متفرق، بل بما سماه «المجهود العام». فقال: “القضايا العامة تتحقق بالمجهود العام».[1]

وهذه العبارة تختصر معنى كبيرًا: القضية التي تخص المجتمع تحتاج إلى طاقات المجتمع، وإلى أفراد يعرف كل منهم أن عمله جزء من عمل أوسع ومسؤولية مشتركة.

لكل واحد نصيبه من البناء

وقد شرح سعاده هذه الفكرة بصورة عملية حين تحدث عن تغيير عقلية الشعب، فقال إن العمل الكبير لا يقوم بأن يفعل شخص واحد كل شيء، بل بأن يقوم كل إنسان بنصيبه:

فواحد يأتي بالطين أو السمنت وآخر يأتي بالحديد وغيره يقتلع الحجارة وغيره يقطعها وغيره يشذبها وغيره ينحت أطرافها وغيره يجر العربة وآخر يرفع الأثقال وآخر يقدم الطعام، وكل ذلك بنظام في خطة مرسومة.[2]

هذه الصورة تصلح نموذجًا لأي عمل جماعي ناجح. فليس المطلوب أن يمتلك الجميع المهارات نفسها، ولا أن يقوموا بالمهمة نفسها. هناك من يجيد التفكير، ومن يتقن التنظيم، ومن يمتلك المعرفة أو الخبرة أو القدرة على التواصل أو العمل الميداني. والقوة لا تأتي من تشابه هذه القدرات، بل من تكاملها.

وقد عبّر سعاده عن ذلك بوضوح حين قال إن العمل العام يتألف من “دوائر صغرى في دائرة كبرى”، وإن “كل فرد يجب أن يعمل ضمن الدائرة التي يقع فيها اختصاصه وكفاءته”.[3]

وهذه من أهم قواعد العمل الجماعي: أن يعرف الإنسان دوره، ويحترم اختصاص الآخرين، ويدرك أن نجاح الجزء مرتبط بنجاح الكل.

عندما تتحول الفردية إلى عائق

لكن المشكلة لا تكون دائمًا في نقص الكفاءة. فكثير من الأعمال تفشل رغم وجود أشخاص قادرين، لأن النزعة الفردية تمنعهم من العمل معًا.

وقد رأى سعاده أن هذه النزعة من أخطر الأمراض الاجتماعية، لأنها تجعل الفرد وميوله مركز كل فكرة وعمل، وتدفعه إلى التعامل مع العمل العام كأنه مساحة لإثبات الذات أو فرض الرأي.

وفي حديثه عن هذه الظاهرة، بيّن أن الفرد الذي لا يتعود الاستماع إلى غيره أو احترام خبرة الآخرين يجد صعوبة في التعاون، وأن هذا يقود إلى التصادم الفردي في الأعمال التي تحتاج إلى تآلف عدد كبير من الناس وتعاونهم.

ولهذا شدَّد سعاده على أن الفرد الواعي يجب أن يعدّ نفسه «أحد المسؤولين عن العمل ومصيره»[4]، لا شخصًا يستطيع أن يتخلى عنه كلما خالف العمل رأيه أو رغبته.

مجموع أشخاص لا يصنع قضية

ومن أبلغ ما قاله سعاده في هذا المجال: «مجموع أشخاص لا يساوي إلا قضايا شخصية!».[5]

فالجماعة لا تصبح قضية لمجرد زيادة عدد أفرادها. إذا حمل كل شخص إليها مطامحه الخاصة وحساباته وولاءاته الفردية، فنحن أمام مجموعة من الأشخاص، لا أمام قوة اجتماعية منظمة.

ولهذا فرّق سعاده بين القضايا الشخصية وقضية الأمة، التي رأى أنها قضية غاية ومبادئ قومية كلية.

فالقضية المشتركة تغيّر طبيعة العلاقة بين الأفراد. بدل أن يسأل كل واحد: ماذا أريد أنا؟ يصبح السؤال: ما الذي تحتاج إليه القضية؟ وبدل التنافس على المواقع، يصبح الاهتمام بتوزيع المسؤوليات، ويصبح الأشخاص وسائل لتحقيق غاية تتجاوزهم جميعًا.

توحيد الجهود لا مجرد جمعها

ولذلك لم يكن هدف التنظيم عند سعاده جمع الناس فحسب، بل توحيد جهودهم.

وفي حديثه عن القيادة عدّ من مزاياها الأساسية:

«الهداية الثابتة المستمرة، توحيد الجهود، حشد القوى على خطة واحدة، التخطيط وتعيين الأهداف».[6]

فالطاقات المتفرقة قد تكون كبيرة، لكنها لا تتحول إلى قوة ما لم تتجه نحو هدف مشترك.

وهذا درس مهم للشباب. ففي أي مشروع طلابي أو ثقافي أو اجتماعي أو قومي، لا يكفي أن يكون المشاركون ناشطين. المطلوب أن يعرفوا إلى أين يتجهون، وما الخطة، وما مسؤولية كل واحد، وكيف ترتبط أعمالهم بعضها ببعض.

من العمل الجماعي إلى العمل المؤسساتي

لكن سعاده لم يقف عند حدود التعاون أو توزيع المسؤوليات، بل أعطى للمؤسسات مكانة أساسية في مشروعه. وقد قال:

إن إنشاء المؤسسات ووضع التشريع هو أعظم أعمالي بعد تأسيس القضية القومية، لأن المؤسسات هي التي تحفظ وحدة الاتجاه ووحدة العمل، وهي الضامن الوحيد لاستمرار السياسة والاستفادة من الاختبارات.[7]

وهذه العبارة توضح لماذا لا يكفي العمل الجماعي إذا بقي مرتبطًا بأشخاص أو بمبادرات مؤقتة.

فالمؤسسة تحفظ الخبرة، وتنظم المسؤوليات، وتحدد الصلاحيات، وتمنع أن يبدأ العمل من الصفر كلما تغير المسؤولون. وهي تجعل الإنجاز ملكًا للجماعة، وتسمح للأجيال الجديدة بأن تبني على ما سبق.

ولهذا كان سعاده يعتبر إيجاد «المؤسسات الصالحة لحمل مبادئ الحياة الجديدة وحفظ مطاليبها العليا وخططها الأساسية» من أهم الأعمال الأساسية بعد تأسيس القضية القومية.[8]

فالعمل المؤسساتي هو الذي يحول الحماسة إلى استمرارية، والجهد الفردي إلى خبرة متراكمة، والتعاون المؤقت إلى قوة منظمة.

المواهب في خدمة الغاية

وفي مقال «لا مفر من النجاح» وصف سعاده الحركة بأنها: «حركة المواهب القومية الاجتماعية في خدمة الأمة».[9]

وهذه العبارة تحمل رسالة مباشرة إلى الشباب.

فلكل إنسان موهبة أو قدرة يمكن أن تصبح قوة نافعة: علم، أو فن، أو كتابة، أو إدارة، أو تقنية، أو بحث، أو تنظيم، أو عمل اجتماعي. لكن قيمة هذه المواهب لا تظهر فقط في ما تمنحه لصاحبها من نجاح شخصي، بل في ما تستطيع أن تقدمه للمجتمع.

وقد حذر سعاده في أكثر من موضع من جعل الشهرة الفردية غاية للعمل والفكر، ودعا إلى تجاوز عالم النزعة الفردية والغايات الخصوصية نحو الحقيقة الكبرى والغاية الأسمى.

فالنهضة تبدأ عندما تتحول الموهبة الفردية إلى طاقة اجتماعية.

رسالة إلى الشباب

تعلّموا أن تعملوا مع الآخرين، لا إلى جانبهم فقط.

اعرفوا مواهبكم، واحترموا اختصاص غيركم، ولا تخافوا من وجود من هو أكثر معرفة أو خبرة منكم. فنجاحه لا ينتقص منكم إذا كان العمل مشتركًا.

ولا تجعلوا اختلاف الرأي سببًا للخصومة، ولا تحوّلوا المسؤولية إلى ساحة للمنافسة الشخصية. فالعمل الجماعي يحتاج إلى الحوار والانضباط والثقة بقدر حاجته إلى الحماسة.

وتعلّموا احترام المؤسسات، لأن الأشخاص يتغيرون، أما القضية فيجب أن تستمر.

فالقضايا العامة لا تتحقق بجهد فرد، ولا بمجموع أشخاص متجاورين، بل بمجهود عام يعرف فيه كل شخص نصيبه، ويضع قدرته في خدمة غاية مشتركة، ويعمل مع الآخرين بنظام وفي خطة مرسومة.

ولهذا، بعد أن يسأل كل واحد منكم:

ماذا أستطيع أن أقدّم؟

ليضف سؤالًا آخر:

كيف يصبح ما أقدّمه جزءًا من قوة جماعية أكبر؟

فعندما تتكامل المواهب، وتتوحّد الجهود، وتنتظم المسؤوليات في مؤسسات، تتحول الفكرة إلى قوة، والقوة إلى بناء، والبناء إلى نهضة قادرة على الاستمرار.


[1] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، ج. 6، «دروس قومية اجتماعية – اليمين».

[2] المرجع نفسه، «دروس قومية اجتماعية – معلومات وانتقادات واقتراحات».

[3] المرجع نفسه، «النزعة الفردية في شعبنا».

[4] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، ج. 6، «دروس قومية اجتماعية – عود على النزعة الفردية في شعبنا».

[5] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، ج. 8، «مجموع أشخاص يساوي قضايا شخصية»، كل شيء.

[6] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، ج. 4، «الزعيم في فرقمينة (Pergamino) – الاستقبال – المحاضرة»،

[7] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، ج. 3، «خطاب الأول من آذار 1938».

[8] المرجع نفسه.

[9] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، ج. 8، «لا مفر من النجاح»،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *