المعايير والرؤية

لعل من أشد الارتباكات في الحكم على الأشياء، أنها صحيحة أو منتجة، كما من أشد الخلافات النظرية والعملية المعيقة هو هذا الارتباك، ولا أسميه بالخطأ، فالمسألة هنا واضحة للقاصي والداني، ولا تحتاج إلا للذرائعية التبريرية لنفيها، وهي من الطرق التفكيرية السافلة، التي تستطيع أن تصنع من الخطأ فضيلة، بطريقة إزاحة الحقل المعرفي إلى حقل آخر، فالخطأ التقني أو الحسابي أو الإجرائي، ليس له علاقة بالفضيلة، وهنا تقف البشرية أمام معضلة الشر وقفة الواجم الحقود.

«المعيار»: هو ما نستخدم للحكم على ظاهرة ناتجة عن أداء، عبر قياس اقترابها من الخير المطلق، وهذا بطبيعته نسبي، معلقاً إلى الزمان والمكان، ولعل جميع الاختلافات الثقافية ( مجتمع، سياسة، اقتصاد) متعلقة تماماً بمعيار وضع لغاية مفيدة، والفشل في تحقيق الغاية المفيدة ( الاقتراب من الأنموذج) يفرض ( ولا يفترض) استخدام المعيار للفشل والنجاح، وعليه تأتي المفاضلة بين القادر والأقدر، على إدارة أية عملية وتوصيلها إلى أقرب نقطة من النجاح.

حسناً ….. عندما نُسأل عن فشل أو نجاح دولة ما، أو عندما نُسأل عن السعادة في بلد ما، كيف يتسنى لنا الحكم دون أدلة دنيوية حصرا، (كالإحصاء، قياس الموارد، مطابقة تنفيذ القوانين الناظمة مع الواقع ..إلخ) لتقرير ما إذا كان هناك فشل أو نجاح  في العملية التي أقدم عليها الإنسان قاصداً الانتفاع.

في عالمنا العربي، آخر ما يفكر فيه المرء (مسؤولاً أم غير مسؤول) هو قياس الفشل والنجاح في المهمة الموكلة إليه، لسبب أن المعيار أو المعايير لا تخطر على باله، وأقرب ما يخطر على باله من هوى واضع المعيار، وهل هو أقوى مني؟، أو أذكى مني؟ مشككاً بافتراء في صلاحية واضعي المعيار، بشهادة الإعلام، والمنتجات الثقافية الأخرى، التي تؤكد له، أن لا أقوى منه ولا أذكى، منهية دور المعيار بتفاهة فكرية وتفكيرية يعز نظيرها، وهكذا تنتهي العملية بنجاح باهر، دون إعطاء أهمية لموت المريض، وأصحاب العملية يبتسمون لجهالتهم الضارة، إذ لا توجد جهالة نافعة.

في عالمنا العربي ينتفي استعمال المعايير، بل هو محارب حرباً حقودة، مع أن استخدامها، لا يعني التشهير بصاحب الفشل، بل تعني تنبيهه إليه، وطلب لتعديل الأداء، لأن الفشل مكلف، ولا يمكن إلا للفساد الاستثمار فيه، وهنا نفشل جميعاً في إيجاد معيار للفساد، نظراً لاحتقار المعيار نفسه ( رئيس وزراء سوريا 13 عاماً تم اكتشاف أنه فاسد فجأة)، وكأنه ليس ناتج عن جهود أجيال ودارسين وإحصائيات، وقصص نهوض ونجاح “دولة” وفشل أخرى، بحيث أضحى الاستبداد وصفة صحية من وصفات الطب الشعبي، مع أن الجميع يعلم، أنه الطريق للخراب، وذلك عبر تبعثر السلطات كإحدى أساليب إلغاء المعيار، فهذه سلطة سياسية ، وأخرى ثقافية، وثالثة دينية، ورابعة تقاليدية،( طبعا مع إغفال السلطة القضائية، واغتيال السلطة التشريعية)، لتبقى هذه البلدان دون بوصلة، أو أمل بنهضة اجتماعية تستثمر في نفسها أولاً.

فقداننا للمعيار، يعني تماماً فقداننا للتكنولوجيا، ( على الرغم من توفر التكنولوجيات)، وهذا يعني سقوط رأس المال الاجتماعي (أو المجتمعي) في براثن الفاقة على كافة أنواعها ومستوياتها، بحيث تفقد إمكانية استثمارها، أو الاستثمار فيها، إذ كيف نعاير وجود تكنولوجية المجتمع دون معيار، ونحن نرى الأمراض الاجتماعية تتكاثر بالعدوى والتناسل في ظلال الفساد، الذي يصوره الإعلام أنه نجاح باهر، دون رصد نتائج لهذا النجاح إلا في انهيارات البنية التحتية لهذا الاجتماع البشري؟.

كيف نضع معياراً للسعادة؟، وقد أصبح من المعايير الشهيرة في العالم التي تستطيع معايرة جدوى العيش؟!‘ بل كيف نضع معياراً لنجاح الجامعات؟، أو إنجاز البلديات؟، أو نسب الطلاق، وتهرب الأطفال من التعليم؟

فإذا استطعنا بوصفنا أناس كاملي الأهلية الإنسانية، هل نستطيع إجراء المعايرة؟ وإذا استطعنا هل يمكن تعديل خط المسير من نحو الخراب إلى نحو النجاح؟ هذه أسئلة برسم سكان العالم العربي، فهل من عضو في هكذا اجتماعات سكانية بقادر على معرفة المعيار، منطقياً، هو لم يعرف السعادة، فكيف نطالبه بمعيار لقياسها؟ مفارقة مريرة، لا يقدر على تحملها إلا كل بليد، فرداً كان، أو اجتماعاً سكانياً غير متمايز، لأنه لا يعرف، ولا يعترف أن هناك ….. معايير……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *