نتنياهو أمام عزلة دولية غير مسبوقة

في تشرين الثاني 2024 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق رئيس حكومة العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.  وبذلك أصبح نتنياهو وغالانت مطلوبين دولياً بموجب هذه المذكرات مما يمنعهما من دخول 125 دولة عضو في النظام الأساسي للمحكمة. وبالتالي بات الرجلان أمام عزلة دولية غير مسبوقة.

لم يكن إصدار مذكرتي التوقيف غير مستند إلى أسباب وجيهة، فكل منهما يتحمل المسؤولية الجنائية عن جريمة الحرب المتمثلة في توجيه هجوم متعمد ضد السكان المدنيين في قطاع غزة وفي التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، والجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في القتل والاضطهاد وغيرها من الأعمال اللاإنسانية.

في أعقاب صدور مذكرتي الاعتقال ضد نتنياهو وغالانت، تفاوتت ردود فعل الدول الأعضاء ما بين الإشارة إلى الالتزام أو التنفيذ مثل بلجيكا التي أكدت على الاتحاد الأوروبي الامتثال للقرار ودعت إلى استجابة حازمة من المجتمع الدولي لضمان احترام العدالة الدولية، وأيرلندا التي دعت إلى احترام استقلالية هذه المحكمة وعدم القيام بأي محاولة لتقويضها، وهولندا وسويسرا وكندا التي قالت إنها ستعتقل نتنياهو إذا زارها. كذلك فعلت الهيئات الحقوقية والأممية التي أكدت أن تعاون الدول مع المحكمة هو واجب قانوني وأخلاقي لمنع الإفلات من العقاب.  

اتخذت بعض الدول اتخذت مواقف غير مؤكدة أو حذرة مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، وبعضها الآخر تحدى التنفيذ أو انتقد المذكرتين مثل المجر التي استقبلت نتنياهو في 3 نيسان 2025 وانسحبت من المحكمة، والأرجنتين التي قالت إنها تعارض المذكرتين بشدة. ولم يكن مفاجئاً معارضة الولايات المتحدة الأميركية لتنفيذ القرار ورفضه معتبرة إياه غير شرعي (هي في الأساس ليست عضواً في المحكمة الجنائية)، فالرئيس الأميركي جو بايدن أعلن يومها أن بلاده ستقف «دائماً مع «إسرائيل» ضد التهديدات التي تواجه أمنها«. ومنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فرضت واشنطن عقوبات على ستة قضاة وثلاثة من ممثلي الادعاء التابعين للمحكمة الجنائية. وذهب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى القول أن المحكمة «تشكل خطراً على الأمن القومي» وتُعتبر «أداةً لشن حرب قانونية» على الولايات المتحدة و«إسرائيل».

أما الكيان الصهيوني غير العضو في المحكمة، فرفض بطبيعة الحال المذكرات الصادرة عن المحكمة واعتبرها مسيسة وغير صالحة.

المحكمة بدورها وصفت أحدث موجة من العقوبات الأمريكية على أعضاء فيها بأنها «هجوم صارخ» على استقلالها وحيادها، وبأنها «تعتبر إهانة للنظام العالمي القائم على القواعد، وقبل كل شيء، لملايين الضحايا الأبرياء عبر أنحاء العالم».

يُذكر أن المحكمة الجنائية الدولية مستقلة قانوناً عن الأمم المتحدة، وتلقى تأييداً من الجمعية العامة لها. على الرغم من أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة ليست جميعها أطرافاً في المحكمة الجنائية الدولية، إلا أنه يمكن للمحكمة إجراء تحقيقات وفتح قضايا تتعلق بالجرائم المزعومة المرتكبة على أراضي دولة طرف أو من قبل مواطن دولة طرف في المحكمة الجنائية الدولية أو دولة قبلت اختصاصها.

ووفق المحكمة يحق لأي من الدول الأعضاء في النظام التأسيسي للمحكمة الجنائية، وكذلك لمكتب الادعاء التابع لها ولمجلس الأمن الدولي، إحالة قضايا إليها للتحقيق فيها. وللمحكمة صلاحية الفصل في أربعة أنواع من الجرائم: الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان. وتنظر المحكمة فقط في الجرائم التي ارتكبت على أرض الدول الأعضاء، أو ارتكبها مواطنون تابعون لتلك الدول، أو تلك التي يحيلها مجلس الأمن الدولي إذا كان هناك أعمال عنف تهدد السلام والأمن الدوليين.

وبموجب «نظام روما الأساسي»، تلتزم الدول الموقعة عليه بتنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك اعتقال وتسليم أي شخص تطلب المحكمة محاكمته. وتضم قائمة هذه الدول 124 دولة موزعة على مختلف القارات، وتشكل شبكة دولية واسعة ملزمة قانونياً بتنفيذ هذه الأوامر.

منذ تفعيل المذكرة، لم يزُر نتنياهو سوى دولة واحدة عضو في المحكمة هي المجر التي أعلنت انسحابها منها. واليوم يتحدى نتنياهو مذكرة اعتقاله ويعتزم إلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك هذا الشهر خلال زيارة لن تتعدى ال24 ساعة. وكان حين ألقى كلمة في الأمم المتحدة في أيلول الماضي، اعتمدت طائرته مساراً غير معتاد في رحلتها الى الولايات المتحدة إذ اضطرت للالتفاف لمسافة تقدر بنحو 600 كيلومتر لتجنب الدخول في أجواء دول أوروبية محظورة موقعة على نظام روما الأساسي والتي كان يمكن لها تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية في حال اضطرت الطائرة للهبوط على أراضيها. ونتيجة لهذا الوضع، يتجنب نتنياهو الظهور في منتديات قد تعرضه للاعتقال، مثل المنتدى الاقتصادي في مدينة دافوس بسويسرا الذي انعقد في الفترة من 19 إلى 23 كانون الثاني 2026، وهي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *