م. منال الجبرـ دمشق
لم يكن يخطر بالبال في القرن الحادي والعشرين وعصر حقوق الإنسان أن تتردى أوضاع المجتمع السوري، ليتقهقر رهطٌ كبيرٌ من أبنائه، عائدين لما قد يكون مقدمةً لمرحلة أسوأ من مرحلة عصر التجهيل الذي فرضه الاحتلال العثماني لبلادنا باسم الشريعة!
فبرغم كل الاحتلالات التي مرت، ظلت بلاد الشام منارةَ حضارةٍ للعالم، إلى أن جاءها العثمانيون بسياساتهم التجهيلية، ليطمسوا عبر عقودٍ أربع قدرات شعب بلاد الشام، نساءً ورجالاً.
والجهل كما يراه العلَّامة المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي مستبدٌّ شرِس، إذ يقول: «من أقبح أنواع الاستبداد، استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل».
وها نحن اليوم نعود لنفس المأزق (الجهل)، وبرعاية سياسية ودعم من تركيا، وتحت نفس المسمَّيات؛ إذ باسم الشريعة يريدون أن يعودوا لاحتلال وحكم البلاد السورية تدريجياً، مسلِّطين سيف الشريعة على رقاب أبنائها، لا سيما النساء منهم، لأنهم يعلمون تمام العلم أن قيامة الأمة السورية لا يمكن أن تتم بدون نصفها الجميل المعطاء (الأنثى السورية) الداعم لنصفها القوي القادر (الرجل السوري).
وأية شريعة تلك التي اختاروها لتنفيذ مآربهم؟! إنها شريعة التلمود المتسللة إلى بقية الديانات بثوب المتشددين من أهل تلك الديانات، على اختلافها واختلاف مِللها؛ ليتكفَّل سيف المتشددين المسلول فتاوىً وتكفيراً ووعيداً وخطفاً وتبريراً بتغييب النساء السوريات عمداً عن بناء وطنهن وبَلسَمة جراحه والمساهمة بولادة النهضة السورية الجديدة الحقة.
ليس ما يجري في شامنا الحبيبة، من جرائم بشعة تُرتكب بحق النساء منذ سقوط الدولة الوطنية، عبثياً أو عشوائياً، وإن كان يُراد له أن يبدو كذلك! فبنظرة من الأعلى نرى عمق المشهد وتكامله، وندرك غايته على المدى البعيد؛ منذ ظهور داعش وما حظيت به من دعم إعلامي غير معلَن، واختطافها الأيزيديات والمتاجرة بهن في سوق النخاسة كَسبايا في زمن الحضارة التكنولوجية وحقوق الإنسان، وصولاً إلى جرائم الخطف والسبي والاغتصاب في الساحل وحمص وسويداء سورية وغيرها من عموم البلاد، وانتشار التحرش والقتل والتزويج القسري كغطاء للاتجار بالنساء من كل الأعمار، بما فيها الأطفال، كل ذلك يقود إلى حقيقةِ غايةِ مَن يحرك أولئك من خلف الستار، ألا وهي تمزيق المجتمع السوري واغتيال الأمَّة، عبر اغتيال براءتها ونقائها وحرية أنثاها ووعيها، وقدرتها على المشاركة في نهضة بلدها.
لكن واقع اليوم برغم كل تعقيداته ليس أسوأ من واقع الماضي، وكما استنهض الماضي همم رواد النهضة في بدايات القرن العشرين لتحطيم قيود الجهل وإزالة الغمامة عن أمَّتنا، ودقِّ أجراس النهضة لإيقاظ الناس من سباتهم ذاك، لابد وأن يستنهض الحاضر تلك النفوس الأبية التي تعرف تماماً كيف تُحدث فرقاً واختراقاً لما يُراد تصويره على أنه لعبة الكبار، وأنه لا حول ولا قوة لنا إزاءها! فاغتيال الروح المعنوية هو السلاح النووي العصبي الذي يشل الخصم ويحوِّله إلى أسير إلى أجَلٍ غير مسمَّى، وهو ما تتم محاولة اغتيالنا به معنوياً عبر وسائط الإعلام والتواصل على اختلافها، وعبر إخراج نصف المجتمع من معادلة التحرر والتطور، لكنْ يقيناً كل ذلك لن يستمر.
نظرة المفكرين المتنورين إلى المرأة في مقابل النظرة المتشددة:
تقول الأستاذة سهام جمال، الأمينة في الحزب السوري القومي الاجتماعي:
«يدرك المجتمع البطركي في أعماق لا وعيه أن الفاعل الثوري الحقيقي في المجتمع البطركي لم يعد المتآمر، ولا مدبِّر الانقلابات، بل المرأة، القنبلة الموقوتة في صميمه، ففي اللحظة التي يتغير فيها وعي المرأة، وتصبح قادرة على الرفض والمقاومة، تتزعزع أسس النظام، وتتخلخل شرعية سلطته، وتتفكك بنيته؛ إذاً القاعدة الأساسية، تحرير المرأة، شرط لتحرير المجتمع، بوصفه كلام، ودون هذا التحرير لن تُجدي الانقلابات، ولن تؤدي »الثورات« إلا إلى أشكال أخرى من السلطة البطركية!».
وفي كتاب للدكتور إدمون ملحم بعنوان «نساء سوريات»: بيَّن العوامل التاريخيّة المتعدِّدة التي أفضت إلى معاناة المرأة في العالم العربي، وعلى رأسها سيطرة الثَّقافة البطريركيَّة الذكورية، والنصوص الدينية، والقيم التقليدية، والولاءات القَبَلية، والعائلية.[1]
مختتماً كتابه بأن عملية تمكين المرأة وتعزيز دورها تتطلَّب تغيير عقليَّة الناس، وأنَّ ذلك يستلزم القيام بإصلاحات، أوَّلها: إدانة المعايير الطائفية وإلغاؤها، وثانيها: اعتماد العَلمنة الشاملة باعتبارها فلسفة حياة ينبغي تعميمها في جميع المؤسَّسات، وثالثها: ما يتطلَّبه ذلك من فكر علمانيٍّ يُنتج تربيةً علمانيَّةً وقوانين علمانيَّة، تُنشئ مواطناً مدنياً متنوِّراً، يؤهِّله الوعي القوميُّ لمعرفة إكسير التقدُّم، وفي لغة سعاده: تُنشئ إنساناً جديداً معنيَّاً بمهام النظام الجديد انخراطاً وإدارةً وتطويراً.
من ناحية أخرى، تتجلى النظرة الواعية للمرأة ككيان مستقل جميل كما هو، في إحدى رسائل الزعيم أنطون سعاده إلى الأمينة الأولى (زوجته) عام 1940، فبينما يقول لها: «أتمنى أن تكوني كما أرغب لك»[2]، يقول في رسالة أخرى: «ضيائي، إنني أحبك كما أنت وكما تكونين بطبيعتك فحافظي عليها بكل قوتك ولا تدعي قوةً تغلب إرادتك».
ويقول سعاده: «إنّ الرجل والـمرأة مَلكان متساويان، يتولى أحدهما الشؤون الـخارجية والآخر الأمور الداخلية في مـملكة العائلة».
كما يقول أيضاً: «من أمراضنا النفسية القاتلة اعتبار المرأة إنساناً أدنى رتبة من الرجل».
ويؤكد على ضرورة مشاركة المرأة في العمل القومي: «ليس العمل القومي وقفاً على الرجال، لن يكون العمل قومياً حتى تشترك فيه المرأة وتكون عضواً عاملاً فيه».
وهكذا نرى بوضوح التباين الكبير ما بين نظرة المتشددين -المنتشرة هذه الأيام- إلى المرأة كتابع أو سبيَّة، مكانها المنزل، ومهمتها الخدمة والنكاح! وبين نظرة المتنوِّرين إليها ككيان جميل بطبيعته المستقلة، متساوٍ في القَدر والأهمية مع الرجل، وتُنتظَر مشاركتها في الحياة بكل أبعادها، بما فيها العمل القومي والنضالي والسياسي.
الخاتمة:
إن مأزق النساء في بلادي هذه الأيام يكشف بشاعة الواقع الذي يقبض على المجتمع حالياً، في ظل سيطرة فكر غرائزي يتستَّر بالدين، والدين منه براء؛ فنعمة الجمال لدى «بتول علوش»، الفتاة السورية المختطفة والتي تناولنا قضيتها في عددين سابقين من مجلة صباح الخير-البناء (194 و 196)، هي مناسبةٌ لتمجيد خالق هذا الجمال، بالنسبة للأرواح الراقية، لكنها في الوقت نفسه فرصة للافتراس والتدنيس بالنسبة للنفوس المنحطّة التي تشبه الذباب في تدنيسه للعسل؛ فالذباب الذي اعتاد القمامة لا يميز بينها وبين العسل الذي جعل منه الله شفاءً للناس!
إن كرامة النساء وحريتهن هي قضية مجتمع لا قضية أفراد أو أسر تُترك لتواجه مصيرها وحيدة، ثم يأتي الدور على غيرها لاحقاً.
ولنختم بما توصل إليه الفيلسوف الفرنسي شارل فورييه من قياس التحضُّر والتقدُّم الاجتماعي بمدى تقدُّم المرأة نحو الحرية، حيث يؤكد أنه ليس ثمة سبب يؤدي إلى التقدُّم أو الانهيار الاجتماعي بسرعة قَدْر ما يؤدي تغيُّر وضع النساء؛ فلندرك الواقع الحالي بجرأة وشفافية، ونستشرف مآلاته المحتملة، وعليه.. نصمِّم تدخُّلاتٍ فاعلةً تنتشل مجتمعنا من الانهيار المتسارع؛ ففي اللاوعي السوري «قوة لو فعلت لغيَّرت وجه التاريخ» كما يقول سعاده؛ إنَّا لدينا كل القدرات للنهوض من بين الركام والتحليق مجدداً نحو فضاء المجد الإنساني المؤمن والخلَّاق، وكتابة التاريخ من جديد بأيدينا لا بأيدي المستعمرين الغزاة.
[1] Edmond Melhem, Syrian Women: Their Struggle in Society and Their Empowerment through the Syrian Social Nationalist Party (SSNP), First Edition, Melbourne: Edmond Melhem, 2018.
[2] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة: رسائل الزعيم (الرسائل الشخصية إلى جولييت المير)، رسالة مؤرخة في 17 مايو/أيار 1940، منشورات مؤسسة سعاده للثقافة، بيروت.

