المدارس الخاصّة والفخّ الجهنمي

قرفنا هذه الدائرة المغلقة الجهنميّة التي يواجهها المواطن كلّ سنة مع حلول شهر أيلول، حيث يجثم الهمّ على صدور الأهل على شكل أسطورة بدء العام الدراسي والتكاليف الماديّة الخياليّة التي تترتب على المواطن العاجز المغلوب على أمره والذي صار «مسحوقا» وكأن «محدلة الدولة» قد سوّته بالأرض!

المؤلم في الموضوع أيضا موقف المسؤولين من المدنيين ورجال الدين. فالمسؤول يعد الناس بالحلول؛ التي تبقى ثرثرات وكلام فارغ، أمّا رجال الدين فيعدون الناس بالصلاة لأجلهم. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، نستذكر قصيدة: «الفأر الذي اعتزل العالم» الرمزيّة، للشاعر الفرنسي «جان دو لافونتين» وهي صورة فاضحة للخبث

والرياء لدى رجال الدين.

تُعدّ (قصيدة أو حكاية) «الفأر الذي اعتزل العالم» واحدة من أشهر حكايات لافونتين الرمزيّة، وهي تحكي عن فأر ملّ من متاعب الحياة، فقرر أن يزهد في الدنيا ويعتزل داخل قالب كبير من الجبن الهولندي، واتّخذه صومعة له.

في عزلته تلك، لم يكن الفأر زاهدا حقا، بل أخذ يحفر في الجبن بأقدامه وأسنانه حتى ضمن لنفسه منطقة أمان فيها المأكل والمسكن، فصار سمينا وغنيّا. وذات يوم، جاءَه وفد من الفئران يطلبون منه المساعدة، فقد كانت مدينتهم «رات وبوليس» أي (حاضرة الفئران)، محاصرة من قبل جيش القطط، وكانوا في حاجة إلى قليل من المال لتمويل رحلتهم لطلب النجدة. لكن الفأر الناسك رفض مساعدتهم وتذرّع بزهده قائلا: «أمور الدنيا لم تعد تعنيني، لا أملك لكم سوى الدعاء»، ثم أغلق باب صومعته في وجوههم.

لا ينتقد لافونتين في هذه الحكاية العزلة نفسها، بل ينتقد التديّن المزيف والأنانية. فالفأر يمثل الإنسان الذي يدّعي التقوى والزهد، لكنّه في الحقيقة يعيش لنفسه فقط، ويستخدم الدّين كحجّة للتهرّب من واجبه تجاه مجتمعه. والعبرة أيضا هي أن الإيمان الحقيقي لا يكون بالاعتزال والأقوال، بل بالعمل ومساعدة الآخرين.

في خاتمة القصيدة- الحكاية يقول لافونتين أنّ القديس الجديد أغلق بابه، ثم أردف قائلا: من برأيكم أقصد هنا من خلال شخصيّة الفأر العديم الذوق والمساعدة، والذي يرفض نجدة أبناء جلدته هل أقصد الكاهن؟ كلا ولكني أقصد أحد الدراويش (المتزهّدين) وأفترض أن الكاهن هو دائما من محبي وفاعلي الخير!

 هذا كان رأي لافونتين التهكمي بامتياز وقد كتب هذه القصيدة سنة 1675 أثناء حرب هولندا عندما رفض رجال الدّين دفع الضرائب للحرب، وقالوا نحن نقدّم صلواتنا فقط للدولة. 

ينتقد لافونتين النفاق والأنانية، لدى رجال الدّين وفي الوقت عينه يستشرف سلوك رجال السياسة الذين يَعدون الناس بالحلول ولا يحصل شيء من ذلك، ورجال السياسة يعتبرون المواطنين مثل نبتة الكمّون التي لا تحتاج إلى (سقاية)، وكان الفلاحون في الماضي يتجاوزون هذه النبتة ويقولون للكمّون غدا نسقيك ولا يفون بالوعد حتى تجفّ النبتة وتموت. فقال العرب: هناك ناس يطلقون المواعيد الكاذبة أو الكمّونيّة، على شاكلة بسقيك بالوعد يا كمون. وقد قال الشاعر:

لا تجعلني ككمّون بمزرعةٍ

إن فاته الماء أغنته المواعيدُ..

الوطن ينتظر والمواطن ينتظر والتعلم والتعليم في مهبّ الرّيح !!…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *