دراسة في فكر أنطون سعادة من التمثيل إلى التعبير… أين يكمن الاكتشاف؟

ولما كانت الديمقراطية، في تفسيرها العلمي، تتألف من كلمتين:

ـ ديموس (Demos): وتعني الشعب أو جمهور المواطنين.

ـ  كراتوس (Kratos): وتعني السلطة أو الحكم.

فإن انتقال هذا المفهوم من دائرته اللغوية إلى دائرة التطبيق السياسي احتاج إلى حلقة تصل بين الشعب والسلطة.

لقد عرفت الديمقراطيات الحديثة هذه الحلقة باسم التمثيل، حتى غدا النظام التمثيلي، مع مرور الزمن، مرادفاً للديمقراطية نفسها.

أما أنطون سعادة فقد رأى أن هذا هو موضع الخلل.

فهو لم يعترض على التمثيل بوصفه وسيلة تنظيمية، وإنما على تحويله إلى أساس الديمقراطية، حتى أصبحت الأشكال التمثيلية غاية قائمة بذاتها، بينما غاب الأساس الذي وجدت الديمقراطية من أجله.

ولهذا أعلن أن الفكر السوري القومي الاجتماعي يقدم طريقة جديدة سماها «التعبير عن الإرادة العامة«.

وهنا ينبغي التوقف عند أمر بالغ الأهمية: إن سعادة لم يقل إن الديمقراطية تقوم على إلغاء التمثيل، ولم يدعُ إلى استبدال الانتخابات أو الاقتراع أو الأكثرية العددية بوسائل أخرى، بل إن دستوره الحزبي نفسه أبقى هذه الوسائل جميعها قائمة.

إذن، فما الذي تغيّر؟

الذي تغيّر ليس وسيلة اختيار السلطة، بل وظيفة السلطة.

فالتمثيل يجيب عن سؤال:

من يتولى الحكم؟

أما التعبير فيجيب عن سؤال أعمق:

عن أي إرادة، ومن أجل أي غاية، تُمارس السلطة؟

ومن هنا ينتقل مركز الثقل من الوسيلة إلى الغاية.

فالتمثيل، في ذاته، لا يضمن أن تكون السلطة معبرة عن الإرادة العامة، لأنه قد يتحول إلى مجرد انعكاس لموازين القوى القائمة، أو للمصالح الفئوية، أو للنفوذ المالي، أو للعصبيات الطائفية، أو للاحتكارات الاقتصادية، أو لأي واقع اجتماعي يفرض نفسه على صناديق الاقتراع.

أما الديمقراطية التعبيرية فلا تقيس نجاحها بمجرد صحة العملية الانتخابية، بل بقدرة السلطة المنبثقة عنها على التعبير الصحيح عن الإرادة العامة.

وهنا يبرز سؤال آخر:

إذا كان سعادة يتحدث عن «الإرادة العامة»، فلماذا نتحدث عن «مصلحة الأمة»؟

الجواب أن الأمة، في الفكر القومي الاجتماعي، ليست مجرد مجموع أفراد، ولا مجرد أكثرية عددية، بل هي مجتمع موحد بالحياة والمصلحة والمصير، وهي الهيئة التي يتحقق فيها الوعي القومي.

ومن ثم، فإن الإرادة العامة، عندما تتكون في إطار هذا الوعي، لا تكون سوى إرادة تتجه إلى تحقيق مصلحة الأمة.

غير أن المشكلة لا تكمن في وجود الإرادة العامة، لأن الأمم، كما يقول سعادة، تريد الخير والفلاح، بل في إيجاد التعبير الصحيح عنها.

ومن هنا يصبح الفرق بين التمثيل والتعبير واضحاً.

فالتمثيل قد يكتفي بنقل الرغبات كما هي. أما التعبير، فإنه يسأل أولاً:

هل تعبر هذه الرغبة عن مصلحة الأمة؟

ولنأخذ مثالاً بسيطاً.

إذا طالب أبناء منطقة معينة بإنشاء مدرسة أو جامعة، فإن الديمقراطية التمثيلية قد ترى أن مهمة ممثلهم تنتهي بترجمة هذه الرغبة إلى قرار تنفيذي، لأنه يمثل إرادة ناخبيه.

أما الديمقراطية التعبيرية، فإنها لا تبدأ بالتنفيذ، بل تبدأ بالسؤال.

ما طبيعة التعليم الذي ستقدمه هذه المؤسسة؟ وأي إنسان ستُعد؟ وما الاختصاصات التي ستخرّجها؟ وهل تحتاج الأمة فعلاً إلى هذه الاختصاصات؟

وهل ينسجم المشروع مع خطط الإنتاج، والاقتصاد، والصحة، والدفاع، والثقافة، والبحث العلمي؟

وهل يسهم في زيادة قوة الأمة ومنعتها ورقيها، أم يضيف آلافاً من الخريجين إلى صفوف البطالة؟

فالمسألة، هنا، ليست رفض إرادة الناس، بل الارتقاء بهذه الإرادة من مستوى الرغبة إلى مستوى المصلحة.

فالديمقراطية التعبيرية لا تنقل القرار من الشعب إلى فئة، بل ترتقي بممارسة الشعب لسلطته، بحيث تصبح الإرادة الشعبية معبرة عن مصلحة الأمة، لا عن المطالب الآنية وحدها.

ومن هنا يمكن القول إن التمثيل ليس هو المشكلة، بل الاكتفاء به.

فالتمثيل وسيلة. أما التعبير فهو الغاية.

ولهذا لم يكن سعادة يدعو إلى إسقاط المؤسسات الديمقراطية، بل إلى إعادة تأسيسها على قاعدة جديدة تجعلها قادرة على التعبير الصحيح عن الإرادة العامة، لا مجرد تمثيلها تمثيلاً شكلياً.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو:

إذا كانت الديمقراطية التعبيرية هي هذا الاكتشاف السوري الجديد، فهل بقيت فكرة نظرية، أم أن سعادة جسّدها في دستور الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي أراده النموذج الأول للدولة السورية القومية الاجتماعية؟

هذا ما سنتناوله في الحلقة الثالثة.

نظام حموي ـ الحلقة الثانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *