سعاده القدوة                   

قد يسأل البعض عن هذا المعلم العظيم الذي يستمر اتباعه في محاولة الافتداء به، كما النجمة كما الرمز الذي يضيء الطريق.

سبعة وسبعون عاماً وهو يسكن في حنايا قلوبنا ويصيبنا به كل ثامن من تموز، ما أصاب ذلك الكاهن الذي أعطاه كلماته الأخيرة، وقال “ليته كان وريقات من انجيلي حتى اخبئه”، نقول ليته فعل وبقي حاضراً ذلك الشاب الأسمر الذي ترك كل مباهج السلطة والعالم ورفض التراجع، امنية نقولها، وتبقى خارج الواقع.

لقد قدم شهادته لامته زاداً للعز والاقتداء، ونعم …بعضهم تسلق على اسمه، ولكن آخرين رفعوا اسمه ليبقى عالياً مضيئاً كما هو.

اليوم سعاده المعلم ليس قدوة بشخصه وحسب وهو ما عرف في كل سيرته الا تلازم القول مع الفعل بدءا من سيرة طفولته وحكاية رفضه رفع العلم التركي في مدرسة برمانا العالية، ومثلها حكاية اقتراحه على رئيس بلدية بيروت، عدم المفاضلة بين انتداب وآخر وحكم أنفسنا بأنفسنا.

وهكذا دأب في يفاعته يوم أعلن باكرا ادراكه لمخاطر الحركة الصهيونية وضرورة مواجهتها بحركة نظامية معاكسة، وكان ان دفع حياته ثمناً لهذا الوعي لمخاطرها واعداده العدة لمواجهتها، ولا خيار الا الحديد والنار واعداد جيل من الوعي ومن القدرة ايضاً. نادى بالوحدة لأمته خياراً أمثل للقوة، وبحث في كل الآليات التي تجعل منها أمة قوية وقادرة تستطيع حماية نفسها من مشاريع التقسيم والتفتيت ومن مفردات التغييب الجاري لحقوقها وكانت الكيانية أخطر ما يكون، ونجنا يا سعاده مما سيأتي بعد.

في آليات وحدة الأمة، كانت مواجهته الصاخبة في وجه المحتل (المنتدب) الفرنسي والبريطاني، مصلحة سورية فوق كل مصلحة، وان الأساس هو فصل الدين عن الدولة يوم كان هاجس الاستعمار تعزيز الملل والطوائف بقصد اضعاف المجتمع.

سعاده الذي حفلت حياته بالآلام والصعاب والسجون والملاحقات، لم يرضَّ مرة ان يفرق بين ما يقوله وما يفعله ومن هنا بدأت قدوته، ان في حياته البيتية والعملية، هو الأب الحنون والزوج المحب والمتعاون، وله مفاهيمه المتطورة، اجتماعياً وانسانياً، العامل بجد وجهد من اجل لقمه عيشه بكرامة، طاله ما يطال الناس العاديين من فقر وتعب واصابه احتيال البعض وتقاعسهم واعتراض الآخرين، وشكوكهم، لكنه دوماً كان ينتصر بجهده الحثيث واكتشاف من تآمر عليه

صاحب القضية التي أرادها نهضة تبني وتؤسس لأنتصار أمته حافظاً تراثها وتاريخها، محاولاً اعادتها الى الحياة، ساعياً لتعزيز خطة بناء امته الحافل تراثها بكل حق وخير وجمال، فكان إصراره الدائم على الاخلاق سيرة وسياقا “نحن جماعة اخلاق لأنه لا يمكن ان يقوم عمل عام او فردي يواجه الصعوبات الا إذا كان له أساس من الاخلاق فنحن جماعة عمل وصراع لأننا في حقيقتنا جماعة اخلاق” هاجسه من هذه العقلية الأخلاقية الجديدة بناء الانسان الجديد.

عند اشتداد مواجهاته مع السلطة الكيانية المنحنية امام المحتلين والمنتدبين (لا فرق) ما هابها وبيدها سوط السلطة والقدرة، ولا خاف التحديات، يومها عرف سجونها وقمعها وفيها كتب أبرز كتبه العقائدية نشؤ الامم وفيها أيضا غيب ظلامها كتب أخرى لم يفلح في تهريبها ثم كان خيار الاغتراب عن امته، وما هان ولا لان.

سعاده المعلم، المفكر عالم الاجتماع والفيلسوف، والقائد الشجاع الذي وثق بأمته وبأبنائها حتى رمقه الأخير

كان صادقاً حتى الثمالة، يوم صدق من خانوه من سلطة الخيانة في الشام، الى سلطة العمالة في لبنان، وتسلموه مشروع شهيد وليس ليحاكم وتبرئ ساحته.

اغضبهم؟ بالتأكيد، لأنه كشف مقاصدهم وارتهانهم لبيع البلاد وثرواتها ونفطها، وافقارهم الشعب وتفتيته. وعندما سار الى الموت. سار وهو يرى نفسه قدوة لأبناء حزبه، وأبناء امته جميعاً، لم يهب ولم يخاف، بل هم خافوا حتى من كلماته الأخيرة فلم يحاكموه علناً، وعندما سال دمه على رمل بيروت وفي الكنيسة القديمة من شقوق ذلك الصندوق الخشبي، بعدما رماه أبناء من امته برصاص الاحتلال كان قدوة عز لحزبه وللرفقاء الذين تقدموا للشهادة من اجل أمتهم غير آبهين بالموت وهو طريق الحياة فقال كل منهم “انا الشهيد “اما قوله هو” شكراً” لجلاده فكانت كلمته الأخيرة.

سعاده اليوم القدوة التي لن تغيب، اثبت التاريخ صدق عقيدته وسبيل الخلاص الوحيد لامته التي لم ولن يكون لها القبر مكاناً تحت الشمس.

منذ سبعة وسبعين عاما طمروا جسده، ولكنه بقي بفكره وعمله نيرا مضيئا وبقيت عقيدته تتأكد صوابيتها يوما بعد يوم سبيلاً وحيداً للنهوض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *