قد تخسر الامم معركة، وقد تتراجع موازين القوى الدولية في مرحلة من المراحل، لكن أخطر ما يمكن ان تخسره امة هو وعيها وجدانها القومي. فحين ينجح العدو الغاصب في نقل النقاش من المبادئ الى التفاصيل، ومن أصل القضية الى التباين حول بنود اتفاق، ومن الحق الكلي المطلق الى كيفية ادارة خسارته، يكون العدو قد حقق نصرا يتجاوز كل انتصار عسكري.
فالمشكلة لا تبدأ عندما تصبح الارض محتلة، بل عندما يصبح الاحتلال موضع حوار بين المواطنين مع وضد وعندما تتحول شرعية مقاومته الى مجرد وجهة نظر، ويتحول الاعتراف به الى اجتهاد سياسي وحنكة دبلوماسية. ومن هنا، فان أخطر ما يحيط باتفاق الإطار والمفاوضات التي رافقته ليس ما تضمنته بنوده، بل ما اسس له من تضليل للوعي السياسي وتنازل عن الحق القومي.
ان السياسيين اللاقوميين والاعلام السطحي البسيط، او المأجور بتمويل خارجي، ينكبون بكل قواهم على مناقشة ما إذا كان العدو اليهودي قد حقق، عبر اتفاق الإطار، فوزا دبلوماسيا، ام ان لبنان حقق مكاسب دبلوماسية من خلال بنود الاتفاق. واخذوا يفندون كل بند، وما هو لمصلحة لبنان، وما هو لمصلحة العدو اليهودي، وما هو متوازن وعادل للطرفين، غير انهم تجاهلوا القضية الاساس، وهي ان مجرد الاتصال المباشر لإجراء المفاوضات يمثل انتصارا دبلوماسيا كبيرا لا تحلم به سلطة العدو اليهودي المغتصب.
كما فاتهم ان السلطة في لبنان، بهذا العمل، تنازلت عن الحق القومي في فلسطين، واغتصبت الارادة الشعبية، وجردت شعبنا في لبنان وفي باقي الكيانات السورية من حقه بالحياة وبالوجود السيد الحر، عندما انهت العداء مع هجرة مسلحة من العصابات اليهودية. وبإقدامها على هذه المفاوضات تكون قد تجندت، بطريقة او بأخرى، لخدمة المشروع اليهودي في بلادنا، ومنحته ما كان يسعى اليه منذ عقود، وهو الانتقال من موقع المغتصب الذي يفرض نفسه بالقوة، الى موقع الطرف الذي يجلس معه اصحاب الارض على طاولة تفاوض واحدة للبحث في شرعية حدود احتلاله.
لقد بلغ قصور السياسيين الرسميين والموالين لهم في بلادنا حدا كبيرا من الغباء، بل تجاوز ذلك الى العمالة وبيع الحقوق القومية. والأخطر من ذلك ان الاعلام المأجور والسياسيين اللاقوميين نجحوا في تضليل الرأي العام القومي، وتحويل اهتمام المواطنين من أصل الاتفاق الإطار في لبنان، ومن المفاوضات التي قادتها السلطة في الشام، والتي انتهت في محصلتها الاخيرة الى الاستسلام الكامل للعدو، الى نقاش عقيم حول بنود الاتفاقات، وكأن المشكلة تكمن في بعض التفاصيل، لا في أصل الاعتراف بالعدو والتفاوض معه.
وبذلك تحول العدو اليهودي، في الخطاب السياسي والاعلامي التابع لبعض شعبنا، من هجرة يهودية مسلحة غاصبة للأرض ومحتلة لأجزاء واسعة من الوطن السوري، الى دولة جارة لها حق القتل والتهجير والتوسع، ولها حق دفع الاخطار عنها بأحدث الاسلحة الفتاكة، وكأن اغتصاب الارض أصبح واقعا مشروعا، وكأن حق المقاومة بات موضع مساءلة.
ان أخطر ما حصل هو انهاء العداء مع العدو اليهودي بحجة ان الموازين العسكرية ليست في صالح الانظمة السياسية في بلادنا. ولنفرض جدلا ان موازين القوى السياسية والعسكرية هي فعلا لصالح العدو، فان الشعوب في هذه الحالة تكون قد خسرت معركة من معارك هذه الحرب الطويلة، لكنها لا تخسر الحرب، ولا تتنازل عن حقوقها، ولا تمنح عدوها شرعية اغتصابه.
اما انهاء العداء والاعتراف بشرعية وجود العدو على ارض الوطن، وهو مغتصب لفلسطين والجنوب اللبناني والجنوب الشامي، فذلك انتقال من العجز الى الاستسلام الذليل، ومن خسارة عسكرية في معركة الى الهزيمة السياسية والقومية.
والشعب، سندا لكل تجارب الشعوب في العالم، وسندا لتجربتنا كشعب سوري، يبقى هو صاحب الحق، وهو الذي يقاوم ويحارب حرب العصابات، ويعد نفسه بكل قواه السياسية والعسكرية والثقافية والاعلامية لحرب فاصلة يستعيد فيها حقوقه المغتصبة، ويحرر ارضه المغتصبة، ويطرد العدو من البلاد. وعند الاحتلال تتكاتف الشعوب، وتتوحد ارادتها، فلا تنقسم، ولا يوالي قسم منها ارادة العدو باسم حرية الرأي والرأي المضاد، او باسم الديمقراطية وحرية التعبير، او باسم ان الدولة تصون الحريات.
ما احقر سلطة تترك المحتل يغتصب ويقتل ويشرد، ثم تنهي العداء معه، وتصون حرية من يلاقيه معاونا لذبح شعبها. تلك ليست سلطة، ولا تمثل اي نوع من انواع السلطات، بل هي مجموعة من العملاء اتت بوسيلة استعمارية مدبرة مع العدو، لتكون خنجرا في خاصرة الارادة الشعبية الوطنية المتمثلة في إطار المقاومة، ولتؤدي، عن قصد او عن جهل، دورا سياسيا لحصول العدو مكاسب لم يستطع تحقيقها بالحرب وحدها، ولكن العبد الذليل لا يمثل الامة.
ستنتفض الامة في ساعة الوعي، فلا تبقي للاحتلال اثرا، ولا لأعوانه وجودا.

